جلس المُستشار الخاص السابق جاك سميث أمام لجنة الشؤون القضائية بمجلس النواب يوم الخميس، وكرر أعضاء الكونغرس من الحزبين، في معظمهم، حججهم السياسية المألوفة بأسلوب حادّ.
لكن أحد المواضيع التي حظيت أخيراً بالاهتمام اللازم كان مساعي المدعي العام لفرض حظر نشر على دونالد ترامب أثناء ترشحه للمنصب الذي يشغله الآن.
إن سميث خارج السلطة اليوم، وهو هدف لهجوم شرس وتهديدات من الرئيس ترامب الذي يُسخّر وزارة العدل ضد خصومه السياسيين. لكن لا يزال من المهم توضيح تكتيكات سميث لأولئك الذين لا يستطيعون أو لا يرغبون في إدراك كيف ساهم التشدد القانوني الليبرالي خلال سنوات بايدن في وصول البلاد إلى هذه المرحلة.
عندما ضغط أعضاء لجنة مجلس النواب على سميث بشأن نطاق أمر حظر النشر المقترح في قضية التدخل في الانتخابات ضد ترامب، وصفه سميث مراراً بأنه إجراء عادي لحماية الشهود، وهو إجراء أيده القضاة في الغالب. وأخبر كيفن كيلي (جمهوري من كاليفورنيا) أن محكمة الاستئناف التي أصدرت حكماً بشأن أمر حظر النشر "وجدت أنه مبرر".
وقد ركزت التغطية الإعلامية المتعاطفة في معظمها على رواية سميث. لكنها لا تغطي حتى جزءاً يسيراً من مبالغة سميث في نطاق أمر الحظر. ففي سبتمبر 2023 سعى المحقق الخاص سميث إلى إصدار أمر حظر نشر شامل ضد ترامب، كان من شأنه ليس فقط منعه من انتقاد الشهود المحتملين، بل أيضاً تقييد قدرته بشكل كبير على الاعتراض على محاكمته.
وطلب سميث من القاضية تانيا إس. تشوتكان منع ترامب من الإدلاء بتصريحات "مسيئة ومثيرة للفتنة" بحق "أي طرف" في القضية. وكان أحد أطراف القضية (الولايات المتحدة الأمريكية ضد دونالد جيه. ترامب) هو الحكومة الفيدرالية بقيادة بايدن. وكان من شأن أمر المنع المطلوب أن يعرض ترامب، بصفته مرشحًا للرئاسة، لخطر السجن خلال حملة عام 2024 لانتقاده وزارة العدل الحالية.
إن انتهاك أوامر حظر النشر يعرّض المنتهكين للسجن. ومن بين تصريحات ترامب التي اعتبرها ملف سميث غير لائقة: "هذه ليست وزارة عدل مستقلة، وهذا ليس مستشاراً خاصاً مستقلاً"، و"لدينا وزارة ظلم تُزوّر الانتخابات لصالح جو بايدن الفاسد". لكن ملف سميث أقرّ بأنه لا يزال ينبغي السماح لترامب بإصدار "إعلانات البراءة".
لقد كان بإمكان الجمهوريين في مجلس النواب في جلسة الاستماع هذا الأسبوع أن يوضحوا بشكل أفضل أن سميث لم يكن يحاول حماية الشهود في القضية فقط ، بل كان يحاول إسكات انتقادات ترامب العلنية للادعاء نفسه.
واستغل سميث أحكام المحكمة في هذه المسألة كدليل على براءته؛ حتى القضاة المتعاطفون معه رفضوا إفراطه في فرض قيود على حرية التعبير. ووافقت تشوتكان، التي عينها أوباما، في أكتوبر 2023 على تقييد قدرة ترامب على فضح الشهود المحتملين، لكنها رفضت جزءاً من طلب سميث. وأوضحت أن ترامب مسموح له بالإدلاء بتصريحات "تنتقد الحكومة عموماً، بما في ذلك الإدارة الحالية أو وزارة العدل".
إن ذلك أدى لتقليل الضرر الذي سعى سميث إلى إلحاقه بالتعديل الأول للدستور الأمريكي بشكل كبير. لكن محكمة الاستئناف الأمريكية لدائرة مقاطعة كولومبيا اضطرت مع ذلك إلى إلغاء أمر حظر النشر بشكل أكبر "ليصبح ضمن الحدود الدستورية"، كما أوضحت المحكمة. وانضم 3 قضاة استئناف - جميعهم معينون من قبل رؤساء ديمقراطيين - إلى حكم أشار إلى حق المتهم (ترامب) في "التعبير عن رفضه للملاحقة القضائية وإجراءات المحاكمة الجنائية التي تسعى إلى سلب حريته".
لقد أدلى سميث بشهادته أمام جلسة مجلس النواب قائلاً إن محكمة الاستئناف ضيّقت نطاق أمر حظر النشر بحيث "لم يعد يشملني، وهو ما وافقت عليه". وأخبر سميث لجنة مجلس النواب أن "التعديل الأول للدستور لا يسمح لأحد بالإدلاء بتصريحات تُعيق سير العدالة"، لكن يبدو أنه لا يزال يُنكر متطلبات التعديل الأول للدستور ونسي أن المتهم كان أحد المرشحين للرئاسة.
لقد أشاد الديمقراطيون في لجنة مجلس النواب بسميث واصفين إياه بالمدعي العام المثالي والقدوة الأخلاقية، لكن عليهم أن يأملوا في أن يخضع المدعون العامون في الإدارة الحالية لمعايير أعلى لحماية حرية التعبير. كما ينبغي عليهم أن يأملوا ألا تقوم وزارة العدل بقيادة المدعية العامة بام بوندي بمصادرة سجلات مكالماتهم الهاتفية دون علمهم في تحقيق جنائي، كما فعلت وزارة العدل في عهد بايدن مع أعضاء جمهوريين في الكونغرس خلال قضية ترامب.
وكان سميث قد قام بتلك الاستدعاءات باعتبارها خطوة قانونية ضرورية لمعرفة مع من كان ترامب يتواصل بشأن أحداث الشغب التي وقعت في 6 يناير. لكن يبقى سبب تمديد أمر استدعاء سجلات الهاتف الخاصة بالنائب جيم جوردان (جمهوري من أوهايو)، الرئيس الحالي للجنة القضائية في مجلس النواب، حتى أبريل 2022، لغزاً. وقد استمر تمديد استدعاء جوردان بعد فترة طويلة من محاولة ترامب قلب نتائج الانتخابات، وبعد مرور أكثر من عام على تولي بايدن منصبه.
إن وزارة العدل في عهد ترامب تتصرف بتهور أكبر وبكفاءة أقل مقارنة بعملها في عهد بايدن من حيث ملاحقة خصوم الإدرارة. ومن المستحسن لو أن لجنة الشؤون القضائية في مجلس النواب تُجري بعض الرقابة على المدعين العامين العاملين فعلياً. لكن يبقى من المهم مناقشة ما يمكن اعتباره أهم تحقيق جنائي في التاريخ الأمريكي.
وسيأتي يوم تعود فيه المؤسّسة القانونية الليبرالية، التي تحترم سميث، إلى السيطرة على السلطة التنفيذية. وسيتعين عليها حينها أن تقرر ما إذا كانت ستُكرر أساليبه، على أمل أن تجدي نفعاً في المرة القادمة، أو ستعيد بعضاً من الضوابط الدستورية.
واشنطن بوست
×