يخطّط المُستشار الألماني فريدريش ميرز لزيارة الصين مطلع هذا العام، على الأرجح في أواخر فبراير. وكذلك يفعل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي استسلمت حكومته لبكين مؤخّراً بالموافقة على "السفارة الضخمة"، ما يضمن إتمام الزيارة. وقد سافر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته إلى العاصمة الصينية في بداية ديسمبر.
تتطلّع أوروبا بشدّة إلى الصين لتحقيق أهدافها المنشودة في التجارة والأمن. ولكن للأسف، وكما قالت مارغريت تاتشر ذات مرة، "تفوح رائحة الاسترضاء" في الأجواء. فالقادة الأوروبيون مصممون تماماً على استرضاء الصين، بغض النظر عن النتائج.
إن هذا التوجّه الجديد نحو الصين جاء نتيجة انخفاض دعم الولايات المتحدة الحاد والمفاجئ للقارة الأوروبية، كما قال مارك ليونارد، مدير ومؤسس مشارك للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. فقد استنتج الأوروبيون أن الولايات المتحدة خصم أكثر منها حليفاً أو شريكاً.
وينظر الأوروبيون الآن لمطالب الرئيس دونالد ترامب الصارخة بضم غرينلاند بالقوة ، وهي منطقة تابعة للدنمارك، على أنها تهديد للقارة الأوروبية. كما أنهم يشعرون بالنفور الشديد من فرض رسوم جمركية جديدة عليهم بسبب رفضهم لضم غرينلاند. لكن الأوروبيين لا يركزون على ما هو أكثر أهمية.
إن على الأوروبيين التركيز على طموحات الصين في القطب الشمالي. كما أن عليهم أن يركزوا على بنية الصين التحتية في المنطقة من محطات أرضية للأقمار الصناعية وكابلات الألياف الضوئية، من خلال مبادرتيها "طريق الحرير القطبي" و "طريق الحرير الرقمي".
تُرسل دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) - فرنسا، وألمانيا، والسويد، والنرويج، وفنلندا، وبريطانيا، وهولندا، وبلجيكا - قوات عسكرية إلى أكبر جزيرة في العالم. وصحيح أن هذه الانتشار المحدود يهدف ظاهرياً إلى منع ترامب من غزو غرينلاند، إلا أنه يجبر هذه القوات على أخذ الدفاع عن غرينلاند على محمل الجد، وهو أمر طالما أهملته كل من الدنمارك وحلف الناتو.
على القادة الأوروبيين أن ينظروا للرئيس الأمريكي بعين الامتنان؛ إذ أنه أيقظهم من التهديد الروسي بعد أن كانوا يجدون صعوبة في اتخاذ الإجراءات اللازمة. وعلاوة على ذلك حثّ ترامب دول الاتحاد الأوروبي على زيادة الميزانية الدفاعية لتصبح 5% من ناتجها الاقتصادي. وقد وصف الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الشهر الماضي، هذا التوجيه بأنه "أكبر نجاح لترامب في السياسة الخارجية".
من المفهوم أن الأوروبيين مستاؤون من أساليب ترامب الحادة، لكنهم لم يتزحزحوا عن موقفهم عندما استخدم الرؤساء الأمريكيون السابقون، بمن فيهم ترامب نفسه في ولايته الأولى، كلمات لطيفة لحثهم على زيادة الإنفاق الدفاعي الضروري.
ينبغي على الأوروبيين، والذين تخلوا عن أنفسهم في غفلة من الزمن، أن يعرفوا أن نوايا ترامب حسنة، بينما تبدو ردود أفعالهم السلبية عاطفية .
إن ترامب يؤمن بضرورة ابتعاد القوى الأجنبية عن نصف الكرة الغربي - وهو ما يُعرف الآن بـ"مبدأ دونرو" - لكنه لا يعتقد أن لروسيا في أوروبا أو الصين في آسيا أي نفوذ. وتوضح وثيقة استراتيجية ترامب الموجزة والسهلة القراءة هذا الأمر جلياً.
وتعطي استراتيجية الأمن القومي الأولوية للمناطق، حيث تحتل أوروبا المرتبة الثالثة بعد نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادي. وبغض النظر عن رأي المرء في تقسيم ترامب للعالم - فأنا لا أعتقد أن العالم، في ظل تحدي الصين وروسيا لأمريكا على نطاق واسع، يمكن تقسيمه بهذه الطريقة؛ إذ لاتزال أوروبا تعتبر قوة تتحكم في مصيرها.
في النهاية لن تنفع سياسة استرضاء بكين وموسكو، ويجب أن يركز الأوروبيون على نوايا ترامب الحقيقية وتعامله مع العالم كما هو، كما أنه يستخدم القوة الأمريكية لحماية أمريكا والنظام العالمي وهذا يحقق الأمن للقارة الأوروبية نفسها.
فوكس نيوز