عاجل:

كيف تتجنب الولايات المتحدة حرباً بسبب تايوان؟

  • ١١
أكّدت استراتيجية الأمن القومي لإدارة دونالد ترامب، الصادرة في ديسمبر 2025، "سياستنا المعلنة الراسخة بشأن تايوان، ما يعني أن الولايات المتحدة لا تدعم أي تغيير أحادي الجانب للوضع الراهن في مضيق تايوان".

لكن ما يغيب بشكل ملحوظ عن هذه الصياغة هو عبارة "الصين الواحدة". ففي كلتا استراتيجيتي الأمن القومي لإدارة ترامب الأولى (2017) وإدارة جو بايدن (2022)، وُصفت سياسة واشنطن المعلنة الراسخة بأنها "سياستنا تجاه الصين الواحدة". ويُفترض أن هذا الإغفال في وثيقة 2025 كان مقصودًا.

ولكن لماذا؟ وماذا يعني؟

لا يزال هذا الأمر غامضاً، لا سيما وأن مسؤولي ترامب على الأرجح مستعدون لإعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بسياسة "الصين الواحدة" خطابياً. إلا أن غياب هذه السياسة عن استراتيجية الأمن القومي الأخيرة يؤكد تآكل التزام واشنطن الجوهري بسياسة "الصين الواحدة" على مدى سنوات طويلة، وهو ما قد تكون له تداعيات عميقة على مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية.

الانحراف التاريخي لسياسة "الصين الواحدة" الأمريكية

تستند سياسة "الصين الواحدة" الأمريكية باختصار إلى "البيانات الثلاثة" التي طبعت العلاقات الأمريكية مع جمهورية الصين الشعبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وقد أسفرت زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون التاريخية إلى الصين عام 1972 عن "بيان شنغهاي"، الذي أقرت فيه الولايات المتحدة الموقف الصيني القائل بأنه "لا توجد إلا صين واحدة وأن تايوان جزء من الصين". وأضاف البيان أن "حكومة الولايات المتحدة لا تعترض على هذا الموقف".

وعندما أقامت إدارة جيمي كارتر علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1979، اعترفت بها باعتبارها "الحكومة الشرعية الوحيدة للصين"، وأكدت مجددًا "الموقف الصيني" القائل بوجود صين واحدة وأن تايوان جزء منها.

وفي البيان الثالث الصادر عام 1982، أكدت إدارة رونالد ريغان مجددًا أن الولايات المتحدة "لا تنوي المساس بسيادة الصين ووحدة أراضيها أو التدخل في شؤونها الداخلية أو انتهاج سياسة "صينتين" أو "صين واحدة وتايوان واحدة"."

لكن "سياسة الصين الواحدة" تشمل أيضاً مصادر وثائقية أخرى تُبرز جانب تايوان في القضية. ومن بينها قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979، وهو تشريع صادر عن الكونغرس حدد كيفية وأسباب احتفاظ واشنطن بعلاقات "غير رسمية" مع تايوان، و"الضمانات الست" لعام 1982، التي أكدت دعم الولايات المتحدة لتايوان وتعهدت بأن واشنطن لن تتفاوض مع بكين على حساب تايبيه.

وبمرور الوقت أصبحت "سياسة الصين الواحدة" أكثر غموضاً، إذ أُضيفت إليها عناصر خطابية أخرى، لا سيما بيانات مبدئية حول كيفية حل النزاع السيادي بين بكين وتايبيه في نظر واشنطن.

وبعد تحول تايوان إلى الديمقراطية في التسعينيات، أضافت إدارة بيل كلينتون فكرة ضرورة حل النزاع "بموافقة شعب تايوان". أما إدارة جورج دبليو بوش، فقد اشترطت عدم دعم واشنطن "للتحركات الأحادية التي من شأنها تغيير الوضع الراهن" في مضيق تايوان، دون تحديد الوضع الراهن.

ويُعدّ موقف واشنطن من احتمال استخدام الصين للقوة ضد تايوان أحد أهم عناصر سياسة "الصين الواحدة" وأكثرها تعقيدًا. ففي بيانها الصادر عام 1982، والذي تناول مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان، أكدت بكين سياستها المتمثلة في "السعي إلى حل سلمي لقضية تايوان"، وأعلنت واشنطن أنها "تتفهم هذه السياسة وتقدرها".

مع ذلك، وفي مذكرة داخلية أمريكية متزامنة، ذهب ريغان أبعد من ذلك، مصرحاً بأن استعداد واشنطن لخفض مبيعاتها من الأسلحة إلى تايوان "مشروط بالتزام الصين المستمر بالتوصل إلى حل سلمي للخلافات بين تايوان وجمهورية الصين الشعبية. وينبغي أن يكون واضحاً أن الربط بين هذين الأمرين ضرورة دائمة في السياسة الخارجية الأمريكية".

لقد تم تأكيد هذا الربط بشكل أساسي من قبل جميع الإدارات الرئاسية الأمريكية اللاحقة. فقد صرحت كلينتون بأن "القضايا بين بكين وتايوان يجب حلها سلمياً"، وأكدت إدارة جورج دبليو بوش - مرددة لغة قانون العلاقات مع تايوان - أن واشنطن ستنظر إلى "أي استخدام للقوة ضد تايوان بقلق بالغ".

وبناء على ذلك، لطالما تضمنت "سياسة الصين الواحدة" التي تنتهجها واشنطن فكرة أن للولايات المتحدة "مصلحة راسخة في السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان" و"توقعاً" بأن تُحل الخلافات عبر المضيق "بالوسائل السلمية".

ولكن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة ليست متأكدة من أن الصين لن تستخدم القوة في حل قضية تايوان. وكل ما قدمته بكين هو الوعد بحل القضية سلمياً، وذلك لأهمية تايوان الاستراتيجية للصين. وبعبارة أوضح لا يمكن ربط التزامات واشنطن بالصين الواحدة بعدم استخدام الأخيرة للقوة.

تآكل سياسة "الصين الواحدة"

استمر تآكل سياسة "الصين الواحدة" الأمريكية على مدى العقد الماضي، لا سيما فيما يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة مع تايوان وقبول واشنطن الضمني لتراجع تايبيه عن سياستها الخاصة "صين واحدة". وفي تحول كبير في العلاقة "غير الرسمية"، ألغت إدارة ترامب الأولى القيود المفروضة منذ فترة طويلة على التواصل بين المسؤولين الأمريكيين وممثلي تايبيه، وأيدت إدارة بايدن رفع تلك القيود.

والأهم من ذلك، أن تايبيه تبنت تدريجياً سياسة "صين واحدة، تايوان واحدة" من خلال الإشارة بشكل روتيني إلى تايوان كدولة ذات سيادة مستقلة، وإلى الصين ككيان منفصل تماماً وتاريخياً. ورغم أن هذا التوصيف لا يتوافق مع سياسة واشنطن "صين واحدة" ولا مع التزاماتها بتطبيع العلاقات مع بكين، يبدو أن الولايات المتحدة قد وافقت ضمنياً على الأقل على تعريف تايبيه لوضع الجزيرة والوضع الراهن عبر مضيق تايوان.

وقد تعزز هذا التوجه خلال السنوات القليلة الماضية بتزايد الدعم في واشنطن لفكرة ضرورة بقاء تايوان منفصلة بشكل دائم عن الصين نظراً لأهميتها الاستراتيجية للولايات المتحدة. وكان من أهم المؤشرات في هذا الصدد شهادة مسؤول في إدارة بايدن أمام الكونغرس عام 2021، حيث وصف تايوان بأنها "نقطة محورية ضمن سلسلة الجزر الأولى" في غرب المحيط الهادي، وبالتالي "ضرورية للدفاع عن المصالح الأمريكية الحيوية" في المنطقة. وسواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد، فقد وفر هذا مبرراً لمعارضة توحيد تايوان مع الصين تحت أي ظرف من الظروف.

تشير استراتيجية الأمن القومي إلى أن تايوان ذات أهمية عسكرية لأنها "توفر منفذاً مباشراً إلى سلسلة الجزر الثانية، وتقسم شمال شرق وجنوب شرق آسيا إلى جبهتين متميزتين". أما استراتيجية الدفاع الوطني، فرغم أنها لا تذكر تايوان بالاسم، إلا أنها تنص على أن الولايات المتحدة تعتزم "بناء وتعزيز ودعم دفاع قوي ضد التدخل على طول سلسلة الجزر الأولى"، وهذا يصب في منع جمهورية الصين الشعبية من ضم تايوان.

كما يشير كل ذلك بقوة إلى انجراف تدريجي نحو سياسة "صين واحدة، تايوان واحدة" بحكم الأمر الواقع، وابتعاداً عن تأكيد واشنطن الدائم على حيادها بشأن مصير تايوان على المدى البعيد، طالما تم تحديد وضعها سلمياً. وبناء على ذلك أثيرت تساؤلات حول جوهر ومصداقية "سياسة الصين الواحدة". وقد اتهم وزير الخارجية الصيني وانغ يي مراراً الولايات المتحدة بأنها "تشوه مبدأ الصين الواحدة وتفرغه من مضمونه باستمرار"، وأنها "تراجعت عن التزامها الذي قطعته عند إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين".

لم تتغير سياسة الصين "الصين الواحدة"

وقد أثيرت التساؤلات نفسها بشأن اليابان في أعقاب تصريحات رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي في نوفمبر 2025، والتي لمحت إلى إمكانية تدخل عسكري ياباني ردًا على أي محاولة صينية لاستعادة تايوان. وبعد احتجاجات بكين، صرّحت تاكايتشي بأن موقف طوكيو من وضع تايوان لم يتغير منذ اتفاقية التطبيع الموقعة مع جمهورية الصين الشعبية عام 1972.

إلا أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية اعتبر هذا الأمر غير مقبول، قائلاً: "إذا استمرت اليابان في ترديد أن موقفها لم يتغير دون تحديد ماهيته، وفي الوقت نفسه تجاوزت الخطوط الحمراء، فإن هذا التكرار لا يعدو كونه كلاماً فارغاً، ويُضعف موقف الصين الواحدة ويُفرغه من مضمونه".

وتنظر بكين إلى إصرار واشنطن على ثبات سياستها "الصين الواحدة" بنفس النظرة. ولن يزيد هذا التصور إلا ترسيخاً إذا ما وافقت واشنطن على موقف تاكايتشي أو دعمته.

لعلّ أبرز دليل على تراجع سياسة "الصين الواحدة" التي تنتهجها واشنطن هو لجوء المسؤولين الأمريكيين بشكل روتيني إلى الحديث عن "تايوان" و"الصين" ككيانين منفصلين. وهذا أمر لا مفر منه لأن الولايات المتحدة لا تعترف بتايوان باسمها الرسمي، "جمهورية الصين"، ما يستدعي استخدام اختصار للإشارة إليها.

ولكن عندما يشير المسؤولون الأمريكيون إلى "تايوان" كشريك ديمقراطي أو لاعب اقتصادي وتكنولوجي أو فاعل دولي أو أصل استراتيجي متميز عن الصين، فإنهم بذلك يضفون ضمنياً مصداقية على توصيف تايبيه للوضع الدولي للجزيرة، وعلى جهودها الرامية إلى حشد الدعم الأمريكي لهدف الانفصال الدائم.

وتدعو بعض الأصوات في واشنطن بالفعل إلى معارضة توحيد تايوان مع الصين القارية لأسباب استراتيجية وسياسية. ومن جهة أخرى، يُشير تناقض موقف ترامب الشخصي من قضية تايوان إلى محدودية فهمه لتاريخ ومضمون سياسة "الصين الواحدة"، وإلى تردده بين التوحيد والانفصال. والزمن وحده كفيل بكشف الدور الذي سيلعبه ترامب في تحديد مستقبل تايوان.

في غضون ذلك، تتآكل سياسة واشنطن "الصين الواحدة" باستمرار، ما قد يُنذر بعواقب وخيمة إذا ما استمرت واشنطن في إنكار هذا التآكل، واستمرت بكين في رفض هذه الإنكارات. وتتجلى هشاشة الموقف الأمريكي بوضوح في الجدل الدائم حول الفرق بين "سياسة الصين الواحدة" التي تنتهجها واشنطن و"مبدأ الصين الواحدة" الذي تتبناه بكين. فبحسب "مبدأ" بكين، لا توجد إلا صين واحدة، وجمهورية الصين الشعبية هي حكومتها الشرعية الوحيدة، وتايوان جزء منها.

إن جوهر الجدل الدائر برز منذ زمن طويل حول قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2758 لعام 1971، الذي طرد تايوان (بصفتها "جمهورية الصين") من الأمم المتحدة ومنح مقعدها لجمهورية الصين الشعبية. وتصر بكين على أن القرار أظهر اعترافاً دولياً بـ"مبدأ الصين الواحدة" الذي تتبناه. والرد المضاد هو أن القرار لم يذكر تايوان بالاسم ولم يحل وضعها الدولي.

إن الغالبية العظمى من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تتبنى مبدأ الصين الواحدة الذي تتبناه الصين. ولكن المشكلة تكمن في المأزق الخطابي الذي تقع فيه الولايات المتحدة: إذ تُصرّ واشنطن على أنها لا تستطيع القول إن تايوان جزء من الصين، لكنها في الوقت نفسه لم تكن مستعدة لقول إن تايوان ليست جزءاً من الصين.

ويستند هذا الموقف السخيف إلى ادعاء أكثر سخافة بأن وضع تايوان ظل "غير محدد" منذ الحرب العالمية الثانية. وهذا الموقف الأمريكي القانوني يُخفي ويتجاهل في الوقت نفسه المعضلة الجوهرية لسياسة "الصين الواحدة" التي تنتهجها واشنطن، والتي تتلاشى وتسير على حافة الهاوية.

في نهاية المطاف، السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو أن توضح واشنطن جوهر ومعنى "سياستنا تجاه الصين الواحدة" بشكل موثوق ومقنع. وقد يكون هذا هو السبيل الوحيد لتجنب حرب بسبب تايوان.

ناشيونال إنترست
المنشورات ذات الصلة