نشعر بالحنين إلى طفولتنا كلما أمسكنا قلمًا وبدأنا بالكتابة. مع هذه الأقلام والأوراق والقرطاسية المتنوعة بأشكالها وألوانها، يتسلل إلينا إحساس دافئ بأننا ما زلنا نتلقى المعرفة، وما زلنا نتعلّم، وكأننا لم نغادر مقاعد الدراسة يومًا. هو شعور مفعم بالبساطة والسعادة، يرافقنا كلما دخلنا مكتبة أو وقع بصرنا على صفّ من الأقلام المصطفّة بهدوء.
وفي زمن التكنولوجيا، أصبحت الكتابة تتم غالبًا عبر الحاسوب، واستطاعت البرامج الالكترونية والوسائط الرقمية المتطورة أن تنظّم أفكارنا، وترتب مواعيدنا، وتنجز أعمالنا بسرعة وكفاءة. ولكنها مع كل ما قدّمته من تسهيلات؛ إلا أنها عجزت عن منحنا ذلك الإحساس الفريد الذي نشعر به حين نمسك القلم، ونخطّ بأيدينا الكلمات، نمحو ما أخطأنا، ونعيد كتابة السطور من جديد.
إنه شعور لا يدرك معناه إلا القلة القليلة، وربما لهذا السبب لجأت بعض الشركات إلى ابتكار أقلام ذكية تتيح لنا الكتابة اليدوية مع تحويل ما نكتبه مباشرة إلى الحاسوب، في محاولة للحفاظ على تلك العلاقة الحميمة بين الإنسان والقلم.
فالكتاب والأدباء والصحفيون، على وجه الخصوص، لا يزالون حتى اليوم عاجزين عن الاستغناء عن القلم، لأنه ليس مجرد أداة كتابة، بل امتداد للذاكرة وصورة للإبداع، وكأن الحبر الذي يسيل منه ينبض من دم الكاتب نفسه.
وعليه، ووسط التحول الجذري في عادات الكتابة والقراءة، ومع انتشار الرقمنة واستخدام الحواسيب والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، لم يعد القلم والمستند الورقي أدوات أساسية كما في الماضي، إذ يقرأ الكثيرون النصوص مباشرة على شاشاتهم ويعتمدون على الأدوات الرقمية لتحديد المقاطع الهامة وحفظ الملاحظات.
لكنّ للأدوات المكتبية سحر خاص فهي لطالما مثّلت وسيلة لبناء العلاقات الشخصية والتعبير المادي عن أفكارنا ومشاعرنا الدفينة. حتى في بيئات العمل، أثبتت بطاقات العمل وأوراق المراسلات الرسمية المصممة بعناية فائقة أنها لا غنى عنها في تشكيل صورة العلامة التجارية وترك انطباع لا يُنسى.
أزمة شركات الأدوات المكتبية التقليدية
وفي السياق، أظهر تحقيق نشرته وكالة الانباء الألمانية (د.ب.أ.) في 1 فبراير - شباط / 2026، تحت عنوان "هل يكتب العصر الرقمي نهاية القلم؟ شركات الأدوات المكتبية أمام اختبار البقاء"، انه لم يعد شائعا كما في كان السابق أن يحدد شخص مقاطع مهمة في مستند باستخدام قلم تمييز، إذ يقرأ كثيرون اليوم النصوص مباشرة على الكمبيوتر.
وأضافَ التقرير انه مع انتشار العمل من المنزل ومشاركة أماكن العمل، لم تعد المكاتب في الشركات مليئة بالأقلام كما كانت. غير أن هذه ليست الأسباب الوحيدة التي تضع شركات عريقة في قطاع الأدوات المكتبية مثل "فابر كاستل" و"ستابيلو" و"ستادلر" تحت الضغط، حيث تسعى هذه الشركات الآن إلى خفض التكاليف وخوض مسارات جديدة.
لكن يبقى السؤال مطروحا: هل لا يزال للقلم مستقبل؟
يعتبر الرئيس التنفيذي لـ "ستابيلو"، هورست برينكمان، ان الاقلام ستظل دائما جذابة بوصفها عالما موازيا لبيئة رقمية مترابطة بالكامل. رسم الأفكار على ورقة بيضاء أو رسم صورة خاصة يمنح شعورا بالهدوء والاسترخاء في عالم يتسارع يوماً بعد يوم.
وفي نظرة سريعة على الارقام، انخفضت مبيعات "ستابيلو" في السنة المالية 2025/2024 بنحو 7% لتصل إلى 214 مليون يورو. وذكر برينكمان أن السبب يعود إلى الرقمنة إضافة إلى تراجع الاستهلاك العام في أهم الأسواق الأوروبية.
كما تواجه الشركتان المنافستان "ستادلر" و"فابر كاستل" ضغوطا مماثلة. وقالت ستادلر أن القطاع يواجه ضغطا دوليا متزايدا في المنافسة والتكاليف، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار وتعمل ستادلر أيضا على سد فجوات في تشكيلتها، إلى جانب توسيع عروضها الرقمية مثل أقلام الكتابة والرسم الرقمية، والاعتماد بشكل أكبر على التعاون مع العلامات التجارية الفاخرة، وهو مسار تعتزم ستابيلو اتباعه أيضا.
الثورة الرقمية وتأثيرها على الكتابة
أدّى التوسع في الرقمنة واستخدام الحواسيب والهواتف الذكية إلى تراجع الاعتماد على الأدوات المكتبية التقليدية في المكاتب والمدارس والجامعات، ما أثّر سلبًا على نمو هذا القطاع عالميًا. كما أسهم ازدياد استخدام الكتب الإلكترونية ومنصات التعليم الرقمي، خاصة بين الطلاب، في انخفاض الطلب على الأقلام والدفاتر.
إلى جانب ذلك، أثارت المخاوف البيئية المرتبطة باستخدام الورق والبلاستيك غير المعاد تدويرهما تساؤلات حول استدامة هذه الصناعة.
وفي المقابل، تغيّرت النظرة إلى الأدوات المكتبية، حيث شهدت المنتجات الفاخرة منها رواجًا ملحوظًا، مع إقبال على أقلام الحبر عالية الجودة والدفاتر المصممة بعناية، التي تجمع بين الوظيفة العملية والجاذبية الجمالية.
جيل زد وجيل الألفية يقودون التحول في القيم
يعود الاهتمام بالأدوات المكتبية إلى تحوّلٍ جيلي في القيم، حيث تتنامى الرغبة في امتلاك أشياء ملموسة وشخصية، رغم سهولة الأدوات الرقمية.
فالكتابة بخط اليد، سواء لتدوين الأفكار أو الرسائل، تخلق تواصلًا إنسانيًا لا تعوّضه الشاشات. وقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما تيك توك وإنستغرام، في تعزيز هذا التوجّه عبر محتوى يحتفي بجمال القرطاسية، فيما تحولت الأدوات المكتبية اليابانية إلى ظاهرة عالمية مفضلة لدى الفنانين والطلاب والمهنيين.
خلاصة القول
في عالمٍ تهيمن عليه الشاشات وتسوده السرعة، يبقى القلم أكثر من أداة كتابة؛ إنه مساحة شخصية للتفكير، وذاكرة ملموسة للأفكار، ولحظة هدوء في زمن صاخب. قد تتغير الوسائل وتتطور التقنيات، لكن الحاجة إلى لمس الكلمة وكتابتها بخط اليد لا تزال قائمة.
فهل سيبقى القلم قادرا على مقاومة عصر الرقمنة، أم سيتحوّل إلى رمز ثقافي نعود إليه كلما شعرنا بأن التكنولوجيا سلبتنا شيئًا من إنسانيتنا؟ سؤال مفتوح، يكتبه المستقبل… ربما بحبرٍ لا يزال ينبض.
إعداد: سمر ضو