كتبت لبنى عويضة في "جريدة الرقيب":
لم يعد مقبولاً أن تُستباح طرابلس عند كل كارثة، وأن تتحوّل دماء أبنائها إلى مادة للتشهير والكيدية السياسية، فيما يُمنح الفشل حصانة أخلاقية وإعلامية.
الأخطر من الانهيارات المتكررة للأبنية، هو هذا الإصرار الممنهج على تجهيل الفاعل، وتبرئة السلطة، والبحث عن “كبش محرقة” بين النواب والبلدية، وكأنّ النائب يملك مفاتيح الخزينة أو سلطة التنفيذ.
البعض وجد في تصريح رئيس تيار الكرامة النائب فيصل كرامي، فرصة لتصفية حسابات، فاستسهل الهجوم، واختصر المأساة بلغة التحريض والاتهام الرخيص، محاولًا تحويل صرخة إنقاذ إلى “مزايدة انتخابية”. لكنّ الوقائع جاءت أقسى من كل حملات التشويه، وأسقطت الأقنعة واحدة تلو الأخرى.
اليوم، لم يعد الكلام عن مسؤولية الحكومة وجهة نظر أو اجتهاداً سياسياً.
الاعتراف جاء من رأس الهرم في الدولة:
رئيس الجمهورية جوزاف عون أعلن صراحة أن المسؤولية تقع على الحكومة، ووزير الداخلية والبلديات احمد الحجار أكّد أن الحكومة تتحمّل النتائج.
فبأي منطق أخلاقي أو سياسي يخرج علينا مدافعو العجز ليبرّروا التقاعس، ويهاجموا من سمّى الأمور بأسمائها وكأن السلطة لا تُمَسّ ولا تُساءَل؟
صحيح أنّ الإهمال وليد عقود، وأنّ ما تعانيه طرابلس من تراكم فساد وتقاعس عمره أكثر من 35 عاماً، لكن هذه الحقيقة لا تشكّل صك براءة للحكومة الحالية، بل على العكس، هي إدانة مضاعفة لكل سلطة تواصل الإهمال وهي على بيّنة من نتائجه.
وهذا بالضبط ما قاله النائب فيصل كرامي بوضوح في جلسة الموازنة: “الإهمال قديم، لكن من اليوم فصاعداً دم الناس في رقبة هذه الحكومة”.
وحين وصف ما يجري بـ“الغباء الحكومي”، لم يكن يشتم، بل كان يسمّي الواقع: مبالغ زهيدة تطلبها بلدية طرابلس لتفادي المجازر تُحارب وتُؤجَّل، فيما تُهدر الأموال بلا حساب في مناطق “محظوظة” بقرار سياسي. السؤال البسيط الذي يهرب منه الجميع: هل حياة أبناء طرابلس أرخص من بنود الهدر؟
كرامي لم يكتفِ بالصراخ، ولم يلوّح بالدموع أمام الكاميرات. قدّم موقفًا سياسيًا كاملًا: ترميم فوري دون أعذار بيروقراطية، محاسبة حكومة تعجز عن حماية مواطنيها، وعدالة اجتماعية تبدأ بإنصاف المتقاعدين وتثبيت متطوعي الدفاع المدني الذين يواجهون الموت بأدوات شبه معدومة. هذا ليس خطاباً… هذا برنامج إنقاذ.
أما قوله لوزيرة الشؤون الاجتماعية إن “للحديث صلة والشارع بيننا”، فليس تهديداً ولا شعبوية، بل تذكير بأنّ الشارع ليس ديكوراً، وأنّ صبر الناس ليس بلا حدود. طرابلس لا تطلب صدقات، بل حقوقاً أساسية في المياه، والنفايات، والأمن العمراني، وحقاً بديهياً بالحياة.
وفي بلد تُميّع فيه المسؤوليات بين الوزارات والمجالس، يحاول البعض تزوير مفهوم الدور النيابي. فالنائب ليس شاهد زور ولا موظف علاقات عامة، بل سلطة رقابية وأداة ضغط. لا يملك الأموال، لكنه يملك حق إسقاط الحكومات العاجزة، وفضح التقصير، وتحويل وجع الناس إلى مواجهة سياسية مباشرة. وهذا بالضبط ما يفعله فيصل كرامي.
من هنا، فإنّ الهجوم الهستيري على موقفه ليس دفاعاً عن طرابلس، بل دفاعاً عن الفشل، ومحاولة يائسة لتغطية الشمس بغربال الإهمال.
التاريخ لا يرحم، والناس لا تنسى، ومن اختار الصمت أو التبرير شريك في الجريمة. أمّا كرامي، فاختار المواجهة… والباقي تفاصيل فوق الأنقاض.