عاجل:

مملكة إبستين: حين تصمت العدالة ويحكم الأقوياء..

  • ٢٦
حين يُغتصَب الضمير العالمي: ويُطالَب العرب بالصمت

لم تكن “مملكة جيفري إبستين” مجرد فضيحة أخلاقية لرجل ثري منحرف، بل أصبحت رمزاً صادماً لانهيار المعايير العالمية، وكشفاً لفجوة ضخمة بين الشعارات وواقع العدالة. فالقضية التي شملت استغلال قاصرات وشبكة نفوذ سياسية ومالية كشفت أن المشكلة الأساسية لم تكن في الجريمة نفسها، بل في نظام يحمي الأقوياء ويترك الضحايا بلا صوت.

إبستين لم يكن ذئباً مُنفرداً. تحرّك بحرية بين الأثرياء والسياسيين والشخصيات العامة، مستفيداً من حماية مالية وقانونية، وبدا العالم وكأنه اختار الصمت حين كشفت الجرائم.

وتُشير التحقيقات الإعلامية إلى أن بعض المُراسلات تضمّنت اسم رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، من دون الإشارة إلى أي تورّط جنائي أو اتهام مباشر، وفي إطار تداول أسماء ضمن شبكة علاقات عامّة واسعة، لا أكثر.

الصمت الإنتقائي: حقوق المرأة الموسمية

القضية تطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى جدية الهيئات الدولية والجمعيات المحلية في الدفاع عن حقوق المرأة وتمكينها. ففي ملفّ إبستين، نتحدّث عن أقسى أشكال العنف ضد المرأة والطفلة: اغتصاب، استغلال منظّم، إسكات الضحايا، وحماية المتهم بالقوة والمال. ومع ذلك، غاب الصوت المدوي، واختفت الحملات، وساد الصمت المريب.

الزاوية العربية: الصمت المفروض

في العالم العربي، يُطلب من الإعلاميين والناشطين الالتزام بالخطاب الحقوقي الدولي، لكن حين تنفجر قضية بهذا الحجم في قلب الدول التي تدعي حماية القيم وحقوق الإنسان، يُتوقع أن يلتزم العرب الصمت أو أن يعاملوا الموضوع كأنه “شأن داخلي غربي”.
هذا التناقض يطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن أن يكون الخطاب الحقوقي العالمي مقنعاً في بيروت أو القاهرة أو تونس، فيما تُدفن قضية إبستين بلا مُحاسبة حقيقية؟

ازدواجية العدالة: حين يهتزّ وستمنستر ويصمت البيت الأبيض

اللافت في أحدث تسريبات ملفات إبستين ليس حجمها فقط، بل موقع ارتداداتها. ففي بريطانيا، انفجر زلزال سياسي أطاح بمناصب عليا وهدّد موقع رئيس الحكومة نفسه، رغم أن اسمه لم يرد في الوثائق. أمّا في الولايات المتحدة، حيث ذُكر اسم الرئيس آلاف المرات، فقد مرّت العاصفة بأقل قدر من المساءلة. هذا التباين الفجّ يفضح حقيقة مُرّة: العدالة لا تُطبَّق وفق حجم الجريمة، بل وفق قدرة النظام السياسي على امتصاص الفضيحة أو تحويلها إلى ضجيج بلا مُحاسبة.

العدالة المُنقَّحة: حين يُحجَب الاسم وتُكشف الفضيحة

لم يعد الصمت مُجرّد تواطؤ غير مُعلن. فبحسب ما كشفه نواب أميركيون اطّلعوا على ملفّات غير منقّحة لقضية إبستين، جرى حجب أسماء شخصيات نافذة ومسؤولين حكوميين، رغم قانون صريح يمنع التنقيح بذريعة الإحراج أو الحساسية السياسية. بعض هذه الأسماء، وفق المشرّعين أنفسهم، تعود لشخصيات «بالغة البروز» وأحدها يشغل موقعاً رفيعاً في حكومة أجنبية. هنا، لا نتحدّث عن عدالة ناقصة، بل عن عدالة مُفصّلة على قياس النفوذ: تُظهر الجريمة، وتُخفي الجُناة، وتُقنِع الرأي العام بأن ما كُشف هو كل الحقيقة، فيما الأسماء الأخطر ما زالت خلف الستار.

لبنان نموذجاً: العدالة المؤجّلة لا جنسية لها

لبنان يعرف معنى حماية الأقوياء وتأجيل محاسبة المسؤولين، من تفجيرات كبرى إلى ملفّات فساد هائلة. النموذج مُشابه: عدالة بطيئة للضعفاء، ومحصّنة للأقوياء. الفارق أن الغرب يُسوق نفسه كحارس للقيم، بينما يُترك لنا نحن هامش الشكوى فقط. والنتيجة واحدة: منظومة تعرف كيف تُدير الفضيحة، لا كيف تُحقّق العدالة.

في كل دول العالم، هناك آلاف القضايا الشبيهة بقضية إبستين، وآلاف الجزر المغلقة، وآلاف القلاع المحصّنة بالمال والنفوذ. الفارق ليس في وجود الجريمة، بل في طريقة التعامل معها. في مُجتمعات تُحاسِب، كُشفت الملفّات وخرجت الفضائح إلى العلن، ولو متأخّرة، لأن الإعلام والقضاء تجرآ على الاقتراب من المُحرّم. أمّا في مُجتمعاتنا، فالمحكمة تخاف، والملف يُدفن، والفاعل يُحمى، لا فقط بالقانون، بل بثقافة الصمت.

هُنا، لا يُصان المُجرم وحده، بل يُستدعى المُجتمع نفسه ليكون شريكاً بالحماية، عبر السكوت، والتبرير، والخوف من كسر “الهيبة”.

أين المرجعيات الأخلاقية والدينية؟

الصمت الأخلاقي ليس أقل خطورة من الصمت السياسي.

أين المرجعيات الروحية العالمية من فضيحة بهذا الحجم؟

أين المواقف التي ترفض تحويل الإنسان، وخصوصاً المرأة والطفلة، إلى سلعة تُحمى بالمال والنفوذ؟

السكوت هنا لا يشوه صورة العدالة فقط، بل يفرغ الخطاب الأخلاقي العالمي من أي مصداقية.

ما بعد إبستين: عالم أكثر توحشاً

قضية إبستين لم تُغلق لأنها حُلت، بل لأنها أحرجت. وما لم تُفتح الملفّات كاملة، وتُكشف الأسماء، وما جرى لم يكن عدالة مُتأخرة، بل تشهيراً واسعاً بلا مُحاسبة، وكَشَفَ الأسماء، وحَمى المنظومة.

يبقى السؤال:

كم من “ممالك إبستين” أخرى تحمي الأقوياء، وتترك الضحايا بلا صوت؟

في عالم يُحاسِب الضعفاء ويُحصّن الأقوياء، لا تكون العدالة عمياء... بل مُتواطئة.

المنشورات ذات الصلة