عاجل:

رمضان على وقع الضريبة: البنزين يسبق المدفع إلى موائد اللبنانيين

  • ٢٧

لم يدخل شهر رمضان هذا العام إلى بيوت اللبنانيين محمولاً فقط بروحانيته المعتادة، بل سبقته ضريبة البنزين، لتفرض حضورها الثقيل على تفاصيل الحياة اليومية. وبينما يستعد المواطنون لاستقبال شهر الصوم بما يحمله من أعباء معيشية إضافية بطبيعته، جاءَت هذه الضريبة لتضيف عبئاً جديداً، لا يظهر فقط على شاشات الأسعار، بل ينعكس مباشرة على موائد الناس، وعلى قدرتهم على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

في لبنان، لم يعد البنزين مجرّد مادة لتشغيل المركبات، بل أصبح مؤشراً يومياً على مستوى القدرة على الصمود. فكل زيادة، سواء جاءت نتيجة تقلبات السوق أو بفعل ضرائب إضافية، تتحوّل سريعاً إلى ضغط مباشر على المواطن، في ظل غياب بدائل نقل عام فعالة، واستمرار تراجع القدرة الشرائية.

يقول حسين، وهو موظّف في شركة خاصّة، لـ "إيست نيوز":
"لم يعد البنزين مجرد تفصيل. كل مرة أذهب إلى محطة الوقود أشعر أن جزءاً من راتبي يتبخر. نحاول التأقلم، لكن مع اقتراب رمضان، المصاريف ترتفع، ولا يمكننا الاستغناء عن أمور أساسية. المشكلة أن دخلنا ثابت، فيما كل شيء آخر يرتفع."
ولا يقتصر تأثير ضريبة البنزين على أصحاب السيارات فقط، بل يمتد ليطال مختلف القطاعات. فارتفاع كلفة الوقود ينعكس تلقائياً على كلفة النقل والتوزيع، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع، خصوصاً المواد الغذائية، التي تشكل أساس الاستهلاك خلال شهر رمضان.

أبو أحمد، صاحب متجر لبيع المواد الغذائية في بيروت، يقول لـ "إيست نيوز":
"نحن أول من يشعر بالضغط. الموردون رفعوا الأسعار بسبب كلفة النقل، ونحن نحاول تحقيق توازن صعب بين عدم الخسارة وعدم خسارة الزبائن. لكن الحقيقة أن الناس باتت تشتري بحذر. حتى مع اقتراب رمضان، الحركة أضعف مما كانت عليه في السنوات الماضية."
في الأسواق، لم يعد المشهد كما كان. حركة خجولة، وقرارات شراء محسوبة بدقة. المواطن لم يعد يشتري وفق الحاجة فقط، بل وفق قدرته على الاحتمال. ومع كل ضريبة جديدة، تضيق مساحة الخيارات، وتتراجع القدرة على الحفاظ على نمط الحياة نفسه.

تقول سمر، وهي أم لطفلين، لـ "إيست نيوز":
"رمضان كان دائماً مناسبة نحاول أن نجعلها مميزة، خاصة للأطفال. اليوم، نحاول التوفير قدر الإمكان. حتى الزيارات العائلية أصبحت أقل، لأن كل تنقل يعني كلفة إضافية. البنزين لم يعد مجرد تفصيل، بل أصبح عاملاً نأخذه في الاعتبار في كل قرار."
أما العاملون في القطاعات التي تعتمد على التنقل بشكل مباشر، فيواجهون واقعاً أكثر قسوة. فالبنزين بالنسبة لهم ليس مجرد نفقة إضافية، بل جزء أساسي من مصدر رزقهم.

يقول فادي، وهو سائق يعمل في مجال التوصيل، لـ "إيست نيوز":
"كل زيادة في سعر البنزين تعني أننا نحتاج إلى العمل لساعات أطول لتحقيق نفس الدخل. لكن الناس أيضاً تعاني، ولا يمكنها تحمل زيادات كبيرة. في النهاية، الجميع يدفع الثمن."
اقتصادياً، تعكس ضريبة البنزين محاولة لزيادة إيرادات الدولة في ظل الأزمة المالية المُستمرّة. غير أن انعكاساتها تتجاوز الأرقام، لتصل مباشرة إلى حياة المواطنين، خصوصاً في فترة حساسة مثل شهر رمضان، حيث ترتفع النفقات بطبيعتها.

رمضان، الذي كان يشكّل مساحة للتخفيف من ضغوط الحياة، بات اليوم يعكس حجم الأزمة. فبدلاً من أن يكون موسماً للطمأنينة، أصبح مُناسبة إضافية لاختبار قدرة الناس على التأقلم مع واقع اقتصادي مُتقلّب.

ومع انتقال الطعن المقدَّم من عدد من الكتل النيابية إلى المجلس الدستوري، لم يعد الجدل محصوراً بتداعيات ضريبة البنزين على الحياة اليومية فقط، بل اتّسع ليشمل الأساس القانوني والدستوري الذي استندت إليه الحكومة لفرضها.

فبالنسبة لمُقدّمي الطعن، لا يتعلّق الأمر برسمٍ إضافي فحسب، بل بمسار كامل قد يفتح الباب أمام فرض أعباء مالية جديدة بقرارات تنفيذية، من دون المرور بالنقاش البرلماني الذي يُفترض أن يشكّل الضمانة الأولى لحقوق المواطنين.

في هذا السياق، تتجاوز القضية بعدها المالي، لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن: من يقرّر، ومن يتحمّل، ومن يحاسب.

وبينما ينتظر اللبنانيون قرار المجلس الدستوري، يبقى الواقع المعيشي يفرض كلمته يومياً، في محطات الوقود كما على موائد رمضان.

فهل يشكّل الطعن فرصة لإعادة ضبط مسار فرض الضرائب وحماية المواطنين من أعباء إضافية تُفرض خارج النقاش البرلماني، أم أنّ ضريبة البنزين ستتحوّل إلى نموذج دائم لقرارات مالية تزيد من استياء اللبنانيين، وتضعهم مجدداً أمام معادلة قاسية: التأقلم مع الضرائب… أو التخلي عن ما تبقّى من استقرارهم المعيشي؟

المنشورات ذات الصلة