رأى النائب جبران باسيل ان "لبنان اليوم لا يحتاج الى تسوية ظرفية وادارة ازمة بل الى رؤية جامعة واعادة تأسيس الدولة، ان حماية الطوائف لا تكون بإضعاف الدولة، فقد اتضح ان تحصين الجماعات لم يبن الثقة ففشلت المواطنة، وأن المشكلة ليست في التعدد فقط بل في غياب مشروع وطني يضمن ويحمي التعدد من ضمن الوحدة".
وخلال كلمة له في اللقاء الإسلامي – المسيحي عن "الأخوة في زمن الصوم" نظمه التيار الوطني الحر بدعوة من جمعيتي "موج وأفق" و"بترونيات"، في مدينة الميناء، قال: "لبنان ليس كيانا طارئا بل صيغة حضارية، والتحدي منذ العام 1920 هو كيف نحفظ الخصوصيات من دون ان نجزىء المصير، كيف نبني دولة قوية دون ان نخيف مكونا منها، وكيف نطمئن كل جماعة من دون ان نحول الدولة الى ساحة صراع مستمر وتوازن هش. وقبل ان نرى الاختلاف تهديدا يجب ان نراه فرصة للتوازن المتين، وان التوازن قوة وليس ضعفا، والقوة ليست في السيطرة على الاخر بل في القدرة على ضبط الذات".
اضاف: "حاولنا طويلا ان نبحث عن التشابه لنشعر بالامان بينما الحقيقة ان لبنان لم يولد ليكون متشابها بل ليكون متوازنا، وقوته لم تكن يوما في توحيد الناس في نفس الصورة بل في جمعهم دون ان يفقدوا خصوصياتهم .لبنان فريد ليس بمجرد التعايش بل بالتشارك الكامل بعيدا عن منطق العدد والغلبة، لبنان ليس نسخا عن احد بل هو الرسم الاصيل الفريد، ولبنان يجب ألا يكون مجتمعا يعيش رغم اختلافاته بل مجتمعا يجد في اختلافه شرطا لوجوده، وهذا ما يلزمنا ان نجعله نموذجا في عالم يبحث عن طرق جديدة للتعايش، كما يلزمنا الشجاعة والمهارة للحفاظ عليه. لذا يجب الا نعتاد الانقسام حتى يضحى طبيعيا، ولا القلق فيصبح جزءا من هويتنا، ولا اللقاء في المواسم بل في المسار".
وتابع: "المطلوب انتقال نوعي من منطق حماية الطوائف الى منطق حماية المواطن، ونحن هنا لا ندعو ابدا الى إلغاء الخصوصيات بل الى ضبطها ضمن دولة عادلة، اما الانتماء الديني والثقافي فيبقى مصدر غنى روحي وحضاري، لكن المواطنة هي الإطار الناظم للحقوق والواجبات ضمن منظومة الدستور والقوانين، والمواطنة ليست شعارا تجميليا بل نظام سياسي واقتصادي واخلاقي متكامل".
وقال باسيل: "من طرابلس المدينة التي عرفت وعاشت التنوع، نقول لا نريد هدنة بين طوائف بل شراكة بين مواطنين، لا نريد توازن خوف بل توازن ثقة، والثقة لا تبنى بالخطابات بل حين يشعر كل مكون ان وجوده غير مهدد، حين يشعر المسلم ان ايمانه ليس مستباحا وحين يشعر المسيحي ان حضوره ليس مؤقتا، فالسياسة ليست تأجيج الصراع بل تخفيف الخوف وخلق الطمأنينة لأننا إذا خفنا تتحول الطائفة الى ملجأ ويصبح الوطن معبرا. يجب ألا نكون في سباق ارقام بل في سباق ثقة، إذ ثبت انه لا يمكن لفريق وحده ان يحكم لبنان ولا يمكن لاي مكون ان يلغي الاخر، كما ان قوة اي طائفة لا تتحقق بإضعاف الاخرى بل تتحقق بقوة الدولة التي تحمي جميع المكونات، والمعادلة واضحة دولة قوية عادلة تقود الى جماعات مطمئنة، اما دولة ضعيفة فتقود الى جماعات قلقة ومتصارعة. ان لبنان يحتاج دولة قوية تنقله من منطق الانقسام الى منطق التوازن ومن ثقافة الغلبة الى ثقافة الاستقرار".
اضاف: "نحن لا ننكر ان التنافس جزء طبيعي وصحي من الحياة السياسية والوطنية، ولكن يجب الا يتحول الى محاولة إلغاء للاخر لان من يربح على شريكه اليوم يخسر الوطن غدا. نحن جربنا وتعلمنا لذلك لا نطمح لان نكون الاقوى دائما بل ان نكون الاكثر قدرة على جعل لبنان قابلا للحياة في الشرق، ونطمح لان نكون الاقوى دائما ونكون الاكثر قدرة على جعل لبنان قابلا للحياة في شرق متحول حيث من السهل ان ينزلق بلد صغير مثل لبنان الى صراعات اكبر منه. وهنا يجب ان تكمن قوة لبنان في قدرته على ان يكون مستقلا في قراره تلبية لمصلحته الوطنية، فيكون نقطة تلاق لا ساحة مواجهة".
وتابع: "لقد أثبتت التجارب ان الاستقواء بالخارج ايا كان مصدره يكون مؤقتا ولا يصنع استقرارا، اما ما نحتاجه اليوم، فهو الجرأة السياسية لخفض التوتر بدل تصعيده، ان الشراكة الوطنية ليست خيارا ظرفيا بل شرط وجود، وليست تنازلا بل ضمانة والتوازن ليس ضعفا بل حكمة".
وأشار الى أن "المنطقة لا تحتاج اليوم الى مزيد من الاستقطاب بل الى نماذج توازن، ونجاح لبنان في تثبيت هذا التوازن الداخلي سيكون رسالة أمل تتجاوز حدوده، اما فشله فلن يكون خسارة لبنانية فقط بل خسارة جماعية ومؤشرا مقلقا لمنطقة تبحث عن صيغ للاستقرار".
وقال: "التعددية ليست ظرفا بل صيغة حياة وهي نمط حياة، من هنا تتجاوز قيمة لبنان حدوده الجغرافية، فالنموذج ولو لم يكن مكتملا إلا أنه حي، وعليه يجب التعاطي معه كمساحة يجب حمايتها لا استغلالها، مساحة لقاء بين الاسلام والمسيحية، بين الشرق والغرب، وان تبقى معا رغم كل التحديات وحماية هذا النموذج الفريد من الشراكة المتناصفة الإسلامية المسيحية ليست دفاعا عن بلد صغير بل دفاع عن قيمة يحتاجها عالم يزداد اضطرابا، وسقوط هذا النموذج لن يكون خسارة وطنية قابلة للحياة في عالمنا اليوم".
اضاف: "يقول البابا فرنسيس ان "الحوار بين اتباع الديانات المختلفة شرط اساسي للسلام في العالم"، وقد وقع العام 2019 مع شيخ الازهر أحمد الطيب، وثيقة الأخوة الإنسانية التي تنص على ان المؤمنين مدعوون ليكونوا اخوة متحابين يعملون معا من اجل السلام والعدالة. وهنا في طرابلس، نلتقي واياكم اليوم لندعو بعضنا كي نكون اخوة متحابين متفاهمين وليس بالضرورة متشابهين، كما اكد على ذلك البابا لاوون الرابع عشر في زيارته للبنان ولقائه قادة الطوائف، عندما زرع شجرة الزيتون رمزا للسلام والمصالحة. هذا ما نعتبره نحن المسيحيين ونحن في التيار الوطني الحر، مسلمين ومسيحيين، بان رسالتنا هي ان نزرع مفاهيم السلام والمصالحة وهذا ما أظهرناه وأظهرته طرابلس خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة حين فتحت ابوابها وقلوبها لكل النازحين".
وتابع: "نحن في طرابلس والشمال في زمن الصوم نتدرب على ضبط النفس، فلنحول هذا الانضباط الغذائي والنفسي الى انضباط سياسي فنصوم جميعا عن التحريض والتخوين والاستثمار في المخاوف، ولنفطر على مشروع جامع قوامه لبنان دولة سيدة بقرارها، عادلة بقضائها، منتجة باقتصادها، وموحدة بتنوعها. لبنان امام خيارين: اما ان يبقى ساحة صراع بين طوائف خائفة وإما يتحول الى دولة مواطنين مطمئنين، ونحن نختار حكما المواطنة والتنوع كمصدر قوة لا كمصدر قلق، وليكن هذا اللقاء خطوة في مسار طويل نحو عقد وطني اخلاقي جديد".
وختم: "نقف امامكم في لقاء اليوم، ابناء خيارات وطنية ولسنا اسرى مسارات خارجية، وخيارنا ان نعيش التنوع بكل حرية وفرح، وان نحافظ على خصوصياتنا بكل كرامة وامل، والتنوع الذي يهابه كثيرون في الخارج والداخل يجب ان يبقى توازنا لا صراعا ولبنان يسلك طريقه نحو التألق او الانحدار بحسب الطريقة التي ننظر بها الى بعضنا البعض، فإذا نظرنا الى بعضنا كخصوم سنعيش قلقا دائما، واذا نظرنا الى بعضنا كشركاء فسنجد دائما طريقنا للاطمئنان. قرارنا اليوم واضح بأن نكون مختلفين دون ان نكون متصارعين، وقرارنا وخيارنا ان نرى في التنوع طاقة وليس تهديدا. نحن نؤمن بأن لبنان حين يختار التوازن لا يهزم ولا يزول، لذلك نقول دائما وابدا لبنان السلام".