مع تجدّد القصف الإسرائيلي واتساع دائرة الخطر، لم يكن أمام كثير من العائلات سوى النزوح نحو مناطق أكثر أمانًا. وكما في كل أزمة، فتحت بلدات في كسروان والمتن أبوابها، لكن هذه المرّة بدا المشهد مختلفًا. إذ سارعت بلديات عدّة، منها غوسطا، وحراجل، وكفردبيان وفيطرون وفاريا وبكفيا–المحيدثة، وزوق مكايل وزوق مصبح، والجديدة- البوشرية- السدّ، وبيصور وغيرها الكثير إلى إصدار بيانات تدعو الأهالي إلى إبلاغها عند إيواء أي نازحين، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تنظيم الوجود وضمان السلامة العامّة.
بالنسبة إلى البلديات، لا يتعلّق الأمر برفض استقبال النازحين، بل بمحاولة تفادي الفوضى ومواكبة واقع أمني دقيق. فالمخاوف لم تعد نظرية، بل مُرتبطة بإمكانية توسّع دائرة الاستهداف إلى مناطق لم تكن سابقًا ضمن نطاق الخطر. لذلك، ترى السلطات المحلية أنّ معرفة أماكن الإيواء وعدد المُقيمين يندرج ضمن إطار المسؤولية، لا التضييق.
لكن الصورة لا تكتمل من دون الاستماع إلى الأهالي. يقول أحد سكان كسروان، مُفضّلًا عدم ذكر اسمه، لـ "إيست نيوز": "لا أُعارض مُساعدة أي إنسان محتاج، لكن التجربة السابقة كانت صعبة. استضفنا عائلات في منازلنا لأشهر، وتقاسمنا معهم كل شيء، وعندما انتهت الأزمة، شعرنا أنّ ما قمنا به لم يُقدَّر كما يجب، بل تعرّضنا أحيانًا لشتم بعد أن تناولوا الطعام على مائدتنا". ويضيف: "اليوم الناس لا تزال مُستعدّة للمُساعدة، لكن بحذر أكبر".
ولا تقتصر التحفّظات على الاعتبارات التنظيمية أو الضغوط المعيشية، إذ يُقرّ عدد من الأهالي، في أحاديث غير معلنة، بأنّ جزءاً من القلق يرتبط بمخاوف أمنية مباشرة. فثمة من يُعبّر عن خشية من احتمال اختباء عناصر حزبية أو أمنية داخل الأبنية السكنية أو بين العائلات النازحة، ما قد يعرّض الأحياء السكنية لاستهداف محتمل.
كما يستحضر بعض السكان تجارب من الحرب الماضية، حين سُجّلت، وفق روايات محلية، حالات إدخال أسلحة إلى محيط مدارس أو أماكن إيواء، وما رافق ذلك من توتّر وتهديدات، الأمر الذي ترك أثراً سلبياً في الذاكرة الجماعية وجعل الاستعداد للمُبادرة أقل اندفاعاً هذه المرة.
ورغم غياب مُعطيات رسمية تؤكد هذه المخاوف في الظرف الحالي، إلا أنّ تداولها بين السكان يساهم في رفع منسوب الحذر، ويدفع البعض إلى الامتناع عن الإيواء أو التشدد في شروط التأجير.
وفي المتن، يُعبّر أحد السكان عن قلق مشابه، معتبرًا أنّ "الخوف ليس من الناس بحد ذاتهم، بل من تداعيات الوضع الأمني. عندما تصبح مناطق جديدة مأهولة بكثافة غير معتادة، يشعر السكان بالقلق من أن تنعكس الحرب عليهم بشكل مباشر". أما في إحدى بلدات كسروان، فيشير أحد الأهالي إلى أنّ "الناس لم تنسَ كيف فتحت بيوتها في الحرب الماضية، واستقبلت نازحين لأسابيع وأشهر، رغم الظروف الصعبة، لكن الخوف اليوم أكبر، والناس تخشى أن تدفع ثمن حرب لا علاقة لها بها".
في المُقابل، يتحدّث نازحون عن صعوبات مُتزايدة في إيجاد مساكن، في ظل ارتفاع ملحوظ في بدلات الإيجار، ما يجعل رحلة البحث عن الأمان أكثر تعقيداً. بعضهم تمكّن من إيجاد مأوى، فيما لا يزال آخرون يتنقلون بين المناطق، في انتظار فرصة للاستقرار، ولو مؤقتًا.
وبين هذه الهواجس وتلك المُعاناة، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من مُجرّد استقبال أو رفض. إنها أزمة تختبر الجميع: البلديات، والأهالي، والنازحين على حد سواء. فكل طرف يحمل مخاوفه، وكل طرف يحاول حماية نفسه بطريقته.
فهل تنجح البلديات والأهالي في تفادي أي تجاوزات فردية قد تُفاقم الهواجس، أم أنّ القلق سيبقى سيّد المشهد في ظل غياب ضمانات واضحة؟
في النهاية، يبقى النزوح وجهًا آخر للحرب، لا يُقاس فقط بعدد الذين غادروا منازلهم، بل أيضًا بحجم القلق الذي يتركه في الأماكن التي يقصدونها. وبين الخوف والتضامن، يحاول اللبنانيون مُجدداً إيجاد توازن هشّ، يجنّبهم الخطر، من دون أن يفقدهم إنسانيتهم.
×