عاجل:

التمديد لسنتين: هل يشتري لبنان الوقت أم يُراكم أزماته؟

  • ٢٨
في لبنان، نادراً ما يكون النقاش الدستوري مَسألة تقنية فقط. فكل استحقاق يتحوّل سريعاً إلى مرآة للأزمة السياسية العميقة التي يُعانيها البلد منذ سنوات. واليوم يعود الجدل حول تمديد ولاية المجلس النيابي، في لحظة تبدو فيها الدولة عالقة بين ضرورة الاستقرار ومُتطلّبات الديمقراطية.

الجلسة النيابية المُرتقبة في التاسع من آذار ليست مُجرّد اجتماع تشريعي، بل اختبار لمسار سياسي كامل: هل يتّجه لبنان نحو مرحلة انتقالية منظّمة، أم يعود إلى حلقة التأجيلات التي أصبحت سمة من سمات الحياة السياسية؟

خلال الأسابيع الماضية، ظهرت اقتراحات قوانين لتمديد الولاية لفترات قصيرة بين أربعة وستة أشهر، تحت ذريعة الظروف الأمنية والعسكرية التي تعيق الانتخابات. لكن الواقع يبيّن أن الخلاف كان حول المدّة لا المبدأ، فمُعظم القوى تدرك أن تنظيم انتخابات في ظل الانقسام الحالي ليس سهلاً، ولا سياسياً ولا عملياً.

من هنا بدأ يتبلور خيار التمديد لسنتين، كنوع من التسوية بين أطراف السلطة. مدّة لا تكفي لتجميد الحياة السياسية، لكنها تمنح المؤسّسات هامشاً زمنياً لإدارة مرحلة حسّاسة.

في هذا السياق، تتقاطع مصالح عدّة كتل سياسية. فالعهد الرئاسي الجديد لا يريد تثبيت التوازنات الحالية لسنوات، فيما ترى قوى أخرى أن البلاد بحاجة إلى فترة استقرار قبل خوض انتخابات قد تعمّق الانقسام. وهكذا برزت صيغة السنتين كحلّ وسط قابل للتسويق سياسياً.

العامل الدولي لا يقلّ أهميّة عن الداخلي. المُجتمع الدولي، وخصوصاً الدول المعنية بالاستقرار اللبناني، يركّز على منع انزلاق لبنان نحو الفوضى في ظلّ التوتّرات الإقليمية. لذلك يبدو التمديد المحدود خياراً أقلّ كلفة من خوض استحقاق انتخابي غير مضمون النتائج.

السؤال الحقيقي لا يتعلّق بالتمديد نفسه، بل بما ستفعله الطبقة السياسية خلال هذه الفترة. هل ستُستغل السنتان لإعادة ترتيب الحياة السياسية وإقرار إصلاحات طال انتظارها، أم ستصبح محطة جديدة في مسلسل شراء الوقت؟

المرحلة الانتقالية المُقترحة تقوم على سنة أولى لتثبيت الاستقرار الداخلي وترتيب العلاقة بين المؤسسات، وسنة ثانية لإطلاق إصلاحات سياسية، بدءاً من قانون انتخاب جديد أكثر توازناً ووضوحاً، تمهيداً لانتخابات تعكس واقعاً سياسياً أكثر استقراراً.

لكن التجربة اللبنانية تجعل كثيرين حذرين. فالتاريخ مليء بالمراحل الانتقالية التي تحوّلت لاحقاً إلى حالات دائمة، وبالاستحقاقات التي تأجّلت لتصبح جزءاً من الأزمة نفسها.

لهذا، لا يكمن التحدّي في إقرار التمديد أو رفضه، بل في قدرة الطبقة السياسية على استخدام الوقت لإنتاج حلول فعلية. فلبنان لم يعد يحتمل ترف إدارة الأزمات بالطريقة نفسها التي أوصلته إلى الانهيار الحالي.

في النهاية، المسألة أبعد من قانون تمديد أو موعد انتخابات. هل تستطيع مؤسّسات الدولة العمل بمنطق الدولة، أم ستبقى أسيرة توازنات اللحظة والمصالح الضيّقة، فتشتري بالتمديد فقط مزيداً من الوقت لأزمة تكبر فيما الدولة تتآكل؟
المنشورات ذات الصلة