عاجل:

يديعوت احرونوت: من انجاز عسكري الى خطوة استراتيجية

  • ٧٩

بقلم: ميخائيل ميلشتاين

بعد أسبوع من بدء حملة “زئير الأسد” تقترب إسرائيل من النقطة التي كانت تقف فيها بضع مرات في تاريخها، بعد حرب الأيام الستة ولبنان الأولى مثلا: انتهت مرحلة قصيرة نسبيا من نجاحات عسكرية مدوية تجسد تفوقا تكنولوجيا واستخباريا وبدأت مرحلة اكثر تعقيدا مطلوب فيها ترجمة الإنجازات العملياتية الى فعل استراتيجي، فصل ترافق غير مرة وتورطات نبعت من إطالة زائدة للقتال وتطوير خيالات ضارة.

الوصول الى النقطة الموصوفة يستوجب معرفة بسوابق الماضي خاصة الإخفاقات والدروس التي استخلصت منها (اذا ما أجريت تحقيقات). المعركة في غزة توفر دروسا هامة: هناك أيضا تحققت نجاحات مبهرة، لكن إسرائيل أصرت على تمديد المواجهة، وفي اعقاب ذلك علقت في قتال مرير دون حسم ترافق وخيالات، مثل افراغ غزة من الفلسطينيين، إقامة آلية تغذية تغير الواقع (GHF)، وتنمية عشائر كبديل لحماس. اهداف المعركة منذ عادت إسرائيل الى القتال في اذار 2025 صيغت بشكل غامض جدا وانتهت بفرض من جانب ترامب فيما ان حماس ناجية وتبقي على نفوذها.

ان الحاجة لصياغة اهداف واضحة تؤكد معضلة مركزية في المواجهة الحالية: هل الاكتفاء بتحييد التهديدات على إسرائيل وعلى رأسها النووي والصواريخ والسماح للنظام الإسلامي بالبقاء وهو ضعيف (وربما يسقطه الجمهور لاحقا)، أم ربما السعي الى ضعضعته، الذي هو هدف معقد يستوجب خطة تفصيلية تقوم على أساس فهم عميق لإيران، واساسا في الجوانب الاجتماعية والثقافية (التي لم يتميز لا الامريكيون ولا إسرائيل في حل الغازها على مدى التاريخ). الى هذا تضاف علامة استفهام حول القدرة على تحقيق مطالب ترامب – إقرار هوية الزعيم التالي في ايران وانهاء المواجهة باستسلام غير مشروط – والتي يحتمل أن تتسبب باطالة المعركة وأساسا اذا لم يبدأ كما يؤمل احتجاج داخلي عظيم القوة.

ان التقارير عن تشجيع ميليشيات كردية لغرض ضعضعة الحكم في ايران تبعث على تساؤلات لاذعة تتعلق بتعلم دروس الماضي والفهم العميق لإيران. فالتقارير تثير شبهات في الشرق الأوسط الذي هو على أي حال قلق من الفوضى في ايران وانتشارها في المنطقة، فيما ان في الخلفية يثور التساؤل هل قوة من بلدات المحيط يمكنها على الاطلاق ان تهدد الحكم المركزي في طهران. فضلا عن ذلك، ثمة تخوف من ان يرى الشعب الإيراني في تشجيع الأقليات تهديدا على وحدة الدولة مما يمكنه ان يقف في تناقض مع التطلع بتشجيعه على اسقاط النظام.

ان تشجيع الاكراد يشجع أيضا الاعتقاد السائد في الشرق الأوسط بـ “مؤامرات ظلماء” تحرك إسرائيل بهدف تفتيت أو اضعاف دول المنطقة في ظل الارتباط بالاقليات، أقاليم انعزالية وقوى تقليدية مثلما ينطوي عليه تنمية العشائر في غزة، الطوائف في سوريا والاعتراف بارض الصومال. هذه تتخذ صورة في احياء حلف الأقليات الذي جرى العمل عليه في الخمسينيات لاجل التصدي للعالم العربي الذي شكل تهديدا وجوديا على إسرائيل في ذاك الوقت. الاكراد من جهتهم شبعوا خيبات امل – بما في ذلك من ترامب الذي هجرهم مؤخرا فقط في سوريا – ويظهرون تخوفا من أن يكونوا مرة أخرى الضحية في صراعات قوى إقليمية.

ترفع الفجوة الى السطح اختلافا جوهريا يقوم بين الفهم الإسرائيلي للمواجهة الحالية ولتلك مع العالم العربي. فالدول العربية راضية عن الضربة لإيران لكنها تخشى من استمرار الحرب، غير متحمسة لاسقاط النظام او الانخراط في القتال. في هذا السياق من المهم عدم الإدمان على القول الذي يصبح مفهوما مغلوطا وبموجبه في اعقاب الحرب سيتسارع التطبيع. يبدو أن حتى بعد الإنجاز الإسرائيلي اللامع ضد عدو مشترك سيكون من الصعب الدفع به الى الامام دون الانشغال بالموضوع الفلسطيني. في إسرائيل يتحدثون كثيرا عن ائتلاف إقليمي دون الانتباه الى أنهم في العالم العربي يمتنعون في هذه اللحظة عن علاقة علنية مع إسرائيل، فما بالك عقد تحالفات، وفي أوساط الكثيرين يعشعش خوف من أن تثبت إسرائيل هيمنة إقليمية باسناد امريكي.

لقد حققت إسرائيل في الأسبوع الأخير إنجازا تاريخيا وحسنت دراماتيكيا وضعها الاستراتيجي في ظل اضعاف كبير بتهديدات قديمة. وفي هذه النقطة بالذات من المهم الحذر من نشوء نشوة وسكرة قوة مثلما في 1967 ومن تنمية خيالات بروح “إعادة تصميم الشرق الأوسط” (يوجد في إسرائيل من يتحدثون في اعقاب الحرب عن اتساع الدولة وتغيير حدود سايكس بيكو او عن الاقتراب من الخلاص).

في الخلفية توجد في إسرائيل أجواء ضارة تصعب على خطاب واع وموضوعي وفي مركزه استخفاف فظ بكل نقد، دعوة لبلورة استراتيجية وتعلم من الماضي الامر الذي يعكس تعلما محدودا من اخفاق 7 أكتوبر. هذه تعرض كـ “حامضة”، انعدام هجومية و”روح 6 أكتوبر”. غير مرة الساخرون كانوا جزءاً من مفهوم 7 أكتوبر، ويجتازون من اقصى التمسك بالاحتواء والتسوية الى اقصى “القوة فقط”، أوهام حول هندسة الواقع وقمع النقد الحيوي.

في غداة المعارك في ايران وفي لبنان لا يمكن لإسرائيل ان ترتاح على أكاليل الغار بل ستكون مطالبة بان تتصدرى للتحديات التي بقيت مفتوحة وغير قابلة لحل سريع ناجع، بخاصة في الساحة الفلسطينية: في غزة التي يتثبت فيها بالتدريج (بتشجيع من ترامب) وضع معقد يتضمن استمرار وجود حماس الى جانب علامة استفهام حول قدرة إسرائيل على العودة الى قتال قوي واحتلال القطاع؛ والمناطق (الضفة) التي تصبح فوضوية ومليئة بالعنف في ظل الاقتراب من واقع دولة واحدة. التهديد العسكري المحدق من غزة والضفة اصغر بكثير من ذاك من ايران وحزب الله. لكن تلك الساحات تنطوي على تحديات وجودية تفترض بحثا وحسما، وبسرعة.

المنشورات ذات الصلة