خاصّ/ إيست نيوز
في لحظة دولية تتّسم بإعادة ترتيب موازين القوى وتسارع الاتصالات بين العواصم الكبرى، يبرز غياب التواصل الرسمي اللبناني مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وموسكو كإحدى المفارقات الدبلوماسية اللافتة في السياسة الخارجية اللبنانية.
ففي وقت تتجه فيه قوى دولية عدة إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع روسيا رغم التوترات الدولية، يبدو لبنان، الدولة الواقعة في قلب أزمات الشرق الأوسط، كأنه خارج هذا المسار بالكامل، ما يثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية لهذا الغياب، وحول ما إذا كان يعكس خياراً سياسياً واعياً أم مجرد استمرار لحالة التردد التي تطبع أداء السلطات الدستورية اللبنانية.
التحرّكات الدبلوماسية الأخيرة بين دونالد ترامب وبوتين أعادت تسليط الضوء على الدور الروسي المتجدد في ملفات إقليمية حساسة، من بينها الملف الإيراني، إضافة إلى الانخراط الروسي المتواصل في المسار السوري ومحاولات تثبيت التهدئة مع إسرائيل. هذه التطورات تعكس حقيقة أن موسكو لا تزال لاعباً أساسياً في معادلات الشرق الأوسط، وأن قدرتها على التواصل مع أطراف متناقضة في آن واحد تمنحها هامشاً واسعاً للوساطة والتأثير. غير أن لبنان، الذي يقف في قلب هذه التوازنات الإقليمية الدقيقة، لم يظهر أي محاولة جدية للاستفادة من هذا الدور.
فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، لم تسجل أي مبادرة سياسية لبنانية واضحة باتجاه موسكو، سواء عبر زيارات رفيعة المستوى أو اتصالات دبلوماسية علنية، كما لم يصدر عن الرؤساء الثلاثة أو المؤسسات الرسمية ما يشير إلى نية لتفعيل هذا المسار. هذا الغياب لا يمكن تفسيره فقط بظروف داخلية أو بانشغال الدولة بأزماتها المتعددة، إذ إن طبيعة النظام اللبناني القائم على التوازنات الخارجية كانت تاريخياً تدفعه إلى تنويع علاقاته الدولية بدل حصرها ضمن محور واحد.
يطرح هذا الواقع سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الرؤية الاستراتيجية للسياسة الخارجية اللبنانية. فلبنان، الذي يعاني من أزمات اقتصادية ومالية وسياسية غير مسبوقة، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى توسيع شبكة علاقاته الدولية بحثاً عن هوامش دعم أو وساطة أو حتى توازن سياسي. وفي هذا السياق، تبدو روسيا، بحكم حضورها العسكري والسياسي في سوريا وعلاقاتها المفتوحة مع إيران وإسرائيل في الوقت نفسه، من الدول القليلة القادرة على التأثير في مسارات أمنية وسياسية تمس لبنان مباشرة.
إضافة إلى ذلك، فإن موسكو أظهرت خلال السنوات الماضية استعداداً للعب أدوار وساطة في أكثر من ملف إقليمي، كما حافظت على سياسة تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، وهو ما يمنحها موقعاً فريداً مقارنة بقوى دولية أخرى غالباً ما ترتبط مواقفها بشروط سياسية أكثر صرامة. من هنا، يرى مراقبون أن التواصل اللبناني مع روسيا كان يمكن أن يشكل ورقة دبلوماسية إضافية، سواء في ما يتعلق بتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية أو في إدارة التوازنات المرتبطة بالأزمة السورية وانعكاساتها على الداخل اللبناني.
غير أن الواقع السياسي اللبناني يوحي بأن هذا الاحتمال لم يتحول حتى الآن إلى خيار فعلي. فالدبلوماسية اللبنانية تبدو في كثير من الأحيان محكومة بحسابات داخلية دقيقة وبحساسية العلاقة مع القوى الغربية، ما يجعل أي انفتاح واضح على موسكو عرضة لتفسيرات سياسية متباينة داخل الساحة اللبنانية نفسها. كما أن حالة الشلل المؤسساتي التي تعانيها الدولة، إلى جانب ضعف المبادرة السياسية، تجعل التحرك الخارجي في كثير من الأحيان رهينة ردود الفعل بدل أن يكون جزءاً من استراتيجية استباقية.
لذلك؛ يعكس غياب التواصل الرسمي اللبناني مع موسكو إشكالية أعمق تتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على توظيف التحولات الدولية لصالحها. وبينما تتحرك القوى الكبرى لإعادة صياغة توازناتها في المنطقة، يبقى لبنان في موقع المتفرج على ديناميات قد يكون لها تأثير مباشر على أمنه واستقراره. وهنا يبرز السؤال الذي يزداد إلحاحاً مع كل تطور إقليمي جديد: هل سيبادر لبنان إلى كسر هذا الجمود الدبلوماسي والانفتاح على موسكو كجزء من سياسة تنويع العلاقات الدولية، أم أن هذا المسار سيبقى مؤجلاً في ظل استمرار التردد الذي يطبع أداء السلطات الدستورية اللبنانية؟
×