لم يكن اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق الحرب الدائرة، بل خطوة محسوبة ضمن ما يعرف في الأدبيات العسكرية بـ"استراتيجية قطع الرأس"، التي تقوم على استهداف القيادة العليا للدولة بهدف إرباك مؤسساتها السياسية والعسكرية وشلّ قدرتها على إدارة الصراع، املا أن يؤدي غياب القائد إلى انهيار منظومة القرار.
غير أن ما جرى في إيران بدا، حتى الآن، عكس ما خطط له منفذو العملية. فبدل أن يؤدي الاغتيال إلى تفكك النظام، سارعت مؤسسات الدولة إلى احتواء الصدمة، لتعلن سريعًا اختيار السيد مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للجمهورية الإسلامية، في خطوة هدفت قبل كل شيء إلى تثبيت الاستمرارية وإظهار أن الدولة لا تزال قادرة على إدارة المرحلة.
هذا الانتقال السريع للسلطة لم يكن مجرد إجراء دستوري، بل رسالة سياسية مزدوجة: الأولى إلى الداخل الإيراني بأن النظام ما زال متماسكًا وقادرًا على تجاوز أخطر الضربات، والثانية إلى الخارج بأن اغتيال القائد لا يعني إسقاط الدولة.
في الواقع، تحوّل اغتيال خامنئي إلى لحظة تعبئة داخلية. فالنظام الإيراني سارع إلى تقديم الصراع بوصفه معركة وجودية مع القوى الغربية، والمفارقة أن الضربة التي كان يُفترض أن تُضعف النظام قد تحولت إلى عامل لتقويته، عبر إعادة إنتاج شرعية المواجهة التي قامت عليها الثورة منذ بداياتها.
مصدر إعلامي كشف لـ"إيست نيوز" أن انتخاب السيد مجتبى خامنئي يأتي في سياق الضرورة السياسية والمرحلة الاستثنائية التي تمر بها إيران، حيث اتُخذ قرار داخل تركيبة النظام بالمضي في المواجهة.
وأشار المصدر إلى أن المرشد الراحل علي خامنئي كان قد نقل جزءًا من صلاحياته قبل استهدافه بفترة قصيرة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني وإلى الحرس الثوري الإيراني، ما ساعد على ضمان استمرارية إدارة الدولة في لحظة مفصلية.
ويضيف المصدر أن اختيار مجتبى خامنئي حمل رسالة واضحة إلى خصوم طهران مفادها أن اغتيال المرشد لم يحقق الهدف المتمثل بإرباك النظام، بل إن "خامنئي رحل وخامنئي أتى". وقد علّقت إحدى وسائل الإعلام الإسرائيلية على التعيين بالقول: "رحل خامنئي الهرم وأتى خامنئي الشاب".
ويتابع المصدر: "رغم أنه لم يتولَّ أي منصب رسمي خلال حياة والده، إلا أنه كان مستشارًا مقربًا له، ويُعرف بمواقفه المتشددة، لا سيما في ما يتعلق بالعقيدة النووية".
ويؤكد المصدر أن انتخابه يهدف أيضًا إلى توجيه رسالة للولايات المتحدة بأن طهران هي من يحدد قيادتها، وليس الضغوط الخارجية.
ولفت المصدر إلى أن التظاهرات التي شهدتها طهران ومدن إيرانية أخرى عقب إعلان اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا للجمهورية الإسلامية، تميزت بمشاركة واسعة من الشباب، ما شكّل مفاجأة لخصوم إيران الذين كانوا يعتقدون أن هذه الفئة ستكون أكثر معارضة للنظام.
وفي البعد الدولي، يرى المصدر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يحقق حتى الآن ما كان يهدف إليه من استهداف إيران واغتيال مرشدها، حيث راهن على أن اغتيال السيد خامنئي قد يؤدي إلى انهيار سريع في بنية القرار الإيراني ويفتح الطريق أمام فرض تسوية سياسية بالقوة.
فبحسب المعطيات، يقول المصدر: "كانت هناك خطة لحرب قصيرة تمتد لأربعة أيام قابلة للتمديد، مع الرهان على أن اغتيال خامنئي سيؤدي إلى إرباك الدولة الإيرانية وإنهاء المواجهة سريعًا".
ويضيف المصدر: "إلا أن التطورات أظهرت أن إيران ما زالت دولة مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية ضغوطًا اقتصادية داخلية، أبرزها التضخم وارتفاع أسعار النفط عالميًا نتيجة التوترات في المنطقة".
كما أن استمرار الحرب قد يفرض على واشنطن استخدام احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لخفض الأسعار، وهو خيار يحمل بدوره تبعات اقتصادية وسياسية، وسط ضغوط داخل الكونغرس ودوائر دولية لإنهاء الحرب، بحسب المصدر.
في المحصلة، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تذهب إيران في ظل قيادة مجتبى خامنئي نحو امتلاك سلاح نووي كضمانة ردع نهائية؟ بالنسبة لكثيرين داخل المؤسسة الإيرانية، قد يبدو اغتيال المرشد الأعلى دليلًا إضافيًا على أن امتلاك قدرة ردع قصوى لم يعد خيارًا استراتيجيًا فحسب، بل مسألة بقاء.
في هذا السياق، لا يبدو أن المنطقة تتجه إلى نهاية قريبة للصراع، بل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة. فالحرب الدائرة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى اختبار لإرادات القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء.
في خطابه الأول، أكد المرشد الجديد تمسكه بنهج والده والمضي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. فصعوده إلى موقع القيادة، قد يكون بداية فصل جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فصل سيحدد ما إذا كانت إيران ستكتفي بالدفاع عن موقعها في الإقليم، أم ستذهب إلى إعادة رسم قواعد اللعبة بالكامل.
وفي الشرق الأوسط، حيث غالبًا ما تنتج الحروب نتائج عكس ما يخطط لها أصحابها، قد يثبت الزمن أن اغتيال خامنئي لم يكن نهاية مرحلة… بل بداية مرحلة أكثر اضطرابًا لخصوم ايران.
×