هآرتس: ايران تخطط “لليوم التالي” ويبدو انها تعول على تركيا

  • ١٠

بقلم: تسفي برئيل

ان اغلاق مضيق هرمز وتقارير عن زرع الغام في الممر التجاري في الخليج الفارسي، وهجوم بمسيرة على ناقلة نفط في ميناء عُمان، واستمرار اطلاق النار على دولة الامارات العربية، واغلاق منشآت الغاز في قطر، وخفض انتاج النفط في العراق بنسبة 60 في المئة، كل ذلك يندرج ضمن اطار حرب الاستنزاف التي تشنها ايران في الأيام الأخيرة. تستند استراتيجيتها الى تقييم يبدو منطقي، يفيد بان الضرر الذي لحق بممرات الملاحة في الخليج الفارسي لم يتسبب فقط في ارتفاع أسعار النفط وانهيار بعض أسواق الأسهم، بل هو قد يحدث سلسلة ردود فعل، حيث ستؤثر أسعار النفط على أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية الأخرى وتزيد التضخم في دول كثيرة في المنطقة وتخفض مستوى المعيشة، لا سيما في الدول الفقيرة – كثير منها في الشرق الأوسط – وربما تثير بعد ذلك احتجاجات واضطرابات مدنية.

بهذه الطريقة تقدر ايران بانها ستتمكن من استخدام ضغط كبير على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دعا الى حرب قصيرة جدا. إضافة الى ذلك هذا سيجبره على التفاوض مع النظام الذي سعى الى اسقاطه وبشروط تعيد لإيران قوتها كقوة عظمى. وقد أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الموقف عندما صرح في يوم الثلاثاء بان بلاده لا تسعى الى وقف اطلاق النار، بل الى الدفاع والانتقام. في غضون ذلك غرد الأمين العام للمجلس الأعلى القومي علي لاريجاني: “حتى الذين هم أقوى منك (بالإشارة الى ترامب) لم ينجحوا في إرادة الامة الإيرانية، احذر من ان تباد أنت نفسك”.

شرط ايران المسبق لاي مفاوضات الان هو الالتزام بوقف اطلاق النار، وضمان عدم تعرض ايران لهجوم آخر. كان هذا احد الشروط الأساسية التي وضعتها ايران في جولات المفاوضات السابقة بشان اتفاق نووي جديد. ولكن بينما كان من المفترض ان يكون الالتزام بعدم الهجوم جزء من اتفاق شامل في تلك المفاوضات، يبدو الان ان ايران تقدر بانها تستطيع الفصل بين قسمي المفاوضات: اتفاق عدم اعتداء يؤدي الى وقف اطلاق النار، ومحادثات لاحقة، في زمان ومكان تحدده ايران، حول هذه القضايا.

ملخص إيراني مؤقت لنتائج الحرب بعد 13 يوم يظهر انه رغم الاضرار الجسيمة التي لحقت بمؤسسات النظام، واغتيال عشرات المسؤولين الكبار وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقصف المنشآت النووية وقواعد الصواريخ وأماكن انتاجها، وشل بعض الاتصالات العسكرية بشكل أدى الى تعطيل سلسلة القيادة – الا ان النظام لم يسقط ولم تندلع الاحتجاجات مجددا، وتخضع الشوارع لسيطرة مشددة من قبل قوة الباسيج والشرطة والحرس الثوري. وفي نفس الوقت استكملت عملية اختيار المرشد الأعلى الجديد، رغم ان المرشد مجتبى خامنئي لم يبدأ عمله بعد بسبب اصابته.

ترى ايران قد رسخت توازن إقليمي جديد للرعب. ويوضح قرارها مهاجمة دول الخليج الجارة التي تشمل شركاء تجاريين هامين مثل دولة الامارات وقطر وسلطنة عمان، إضافة الى السعودية والبحرين والكويت – التي سعت بجهد لبناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية معها في السنوات الأخيرة – طبيعة التهديد. وقد ثبت خطا تقييمها السابق بان دول الخليج بسبب علاقاتها الوثيقة مع الإدارة الامريكية والاستثمارات الكبيرة التي قدمتها وتعهدت بتقديمها لامريكا والعلاقات الودية بين قادتها وترامب ستشكل درع واقي لها.

وقد فشلت هذه الدول في منع حرب الـ 12 يوم في حزيران الماضي، ولم توقف الهجوم الحالي. إضافة الى ذلك كان رد فعل دول الخليج متراخ إزاء الهجمات واسعة النطاق التي تعرضت لها، بما في ذلك دولة الامارات العربية، الشريكة الأكبر الثانية لإيران، التي عانت من هجمات بمسيرات وصواريخ اكثر مما عانت منه إسرائيل في البداية؛ وقطر، الشريكة في اكبر حقل غاز في العالم. والان تستطيع ايران ان “تثبت” لهم بانهم هم الذين بحاجة الى درع واق. لم تشكل هذه الدول “التحالف العسكري” الذي كان من المفروض ان يكون محور امريكي إسرائيلي عربي ضد ايران. فقد تحول اعتمادها على الدفاع الأمريكي والتواجد العسكري الأمريكي في أراضيها الى “شعور زائف بالأمان”. والسلاح الكثير الذي حصلت عليه من الولايات المتحدة ودول أخرى لا فائدة منه، وبالتالي فهو عديم الجدوى. من الان فصاعدا سيتعين عليها إعادة النظر في استعدادها الأمني والسياسي.

في هذا السياق يعتبر التميز الذي وضعته ايران باختيار أهدافها امر هام جدا. فبينما تمطر ايران دول الخليج بنيرانها، بقيت تركيا حتى الان بعيدة عن أي اذى يذكر. في الحالتين اللتين اطلقت فيهما صواريخ في المجال الجوي التركي، واعترضتها أنظمة الدفاع التابعة لحلف الناتو، سارعت ايران الى نفي مسؤوليتها عن اطلاق النار، وهو النفي الذي دحضته تركيا.

حسب تفسير تتناقله مصادر تركية فقد استعدت ايران لاحتمالية فصل أجزاء من الجيش والحرس الثوري عن القيادة. لذلك قسمت الوحدات القتالية الى 6 – 7 مراكز مستقلة تعمل بحسب أوامر معدة مسبقا. ويبدو ان هذه الأوامر شملت أيضا مهاجمة قواعد أمريكية في تركيا. وحسب هذا التفسير فقد اطلقت وحدة من هذه الوحدات المستقلة الصواريخ بدون معرفتها عن تغيير السياسة من قبل صانعي القرار الإيرانيين.

مع ذلك، ينبغي ان يثير هذا التفسير قلق تركيا، اذ يوضح انها كانت جزء من “بنك الأهداف” المخطط لها. وهناك عدة تفسيرات تكتيكية لامتناع ايران عن مهاجمة تركيا، منها الادراك بان القوة العسكرية لتركيا تفوق قوة الدول العربية. إضافة الى ذلك هذا قد يدفع تركيا الى حشد دول الناتو لمساعدتها، الامر الذي سيوسع نطاق الهجمات ضدها.

تضم قاعدة انجرليك في تركيا سلاح نووي تحت رقابة أمريكية. وتتشارك تركيا وايران مصلحة مشتركة في محاربة النزعة الانفصالية للاكراد، وتعتبران التنظيمات الكردية المسلحة تهديد لامنهما القومي. وقد تصبح تركيا الان وجهة لمئات آلاف الإيرانيين الذين يرغبون في الهرب من الحرب.

مع ذلك وبغض النظر عن هذه الاعتبارات العملية فان ايران تخطط بالفعل لما بعد الحرب. ففي ذلك اليوم يتوقع ان تعيد دول الخليج، رغم عدم مشاركتها في الحرب وتعهدها مثل تركيا بعدم السماح باستخدام أراضيها لمهاجمة ايران، النظر في سياستها تجاه ايران. عند هذه النقطة قد تصبح تركيا البديل المحتمل للشراكة الاقتصادية القائمة، وربما تشكل أيضا قوة دعم سياسية وامنية.

لقد وصفت تركيا في ايران بانها “الدولة التي خانت ايران” عندما ساعدت، بل وخططت، بحسب ايران، لاسقاط نظام الأسد بقيادة احمد الشرع. تركيا هي حليفة لامريكا، لكنها ساعدت ايران أيضا في الالتفاف على العقوبات الامريكية، وتطورت العلاقة بين الدولتين بشكل كبير عندما ساعدت قطر في مواجهة الحصار الذي فرضته عليها السعودية والامارات والبحرين ومصر في الأعوام 2017 – 2021.

تركيا لعبت دور رئيسي في استئناف المفاوضات الأخيرة بين ايران والولايات المتحدة. ورغم ان ايران فضلت في نهاية المطاف عقد المحادثات في عُمان بدلا من إسطنبول، الا ان تركيا استمرت في لعب دور الوسيط من وراء الكواليس. تركيا هي حليفة لامريكا، لكنها خلافا لكل دول الخليج، تكن العداء لإسرائيل وتخوض صراع من اجل الهيمنة الإقليمية ضدها.

في هذا السياق يجدر الانتباه الى تصريحات اردوغان. ففي اجتماع لحزب العدالة والتنمية أمس قال بصراحة: “لقد شنت إسرائيل مؤخرا حرب على الجارة ايران، والحقت هذه الحرب اضرار جسيمة، وفي الوقت الذي كانت فيه إمكانية حل المشكلات من خلال المفاوضات قائمة، أدت الحسابات الخاطئة وسوء التقدير، وبالطبع استفزازات الشبكات المتعطشة للدماء، الى اغراق المنطقة مجددا في دوامة الدماء والعنف”. ما هي هذه الشبكات المتعطشة للدماء التي يتحدث عنها اردوغان؟.

اردوغان قال: “نحن ندرك النوايا الحقيقية من وراء الحملات التي تديرها اللوبيات المعادية لتركيا، ولن ننجر الى الاعيبها. تركيا الان تختلف كليا عن تركيا أمس. فقد انتقلت من الدور السلبي الى دور الدولة التي تغير قواعد اللعب”. هكذا يسعل فهم من كان يقصد.

لكن هذه التقييمات والاعتبارات تعتمد كالعادة على التغريدة القادمة التي سينشرها ترامب. فاذا قرر ان الحرب انتهت بانتصار له، وان كل ما يحتاجه الان ورقة للتوقيع، فيمكن الافتراض بان تركيا ستكون هي التي ستقدم الطاولة والقلم والورقة.

المنشورات ذات الصلة