تساءل العقيد المتقاعد فيكتور بارانيتس عمّا كانت تتوقّعه الولايات المتحدة وإسرائيل حين أطلقتا ما وصفه بـ"هياجهما الملحمي" في الخليج، وكم يومًا كانتا تعتقدان أنهما ستحتاجان للإطاحة بالنظام الإيراني.
وأشار الخبير العسكري والكاتب السوفيتي الروسي إلى أن البنتاغون وهيئة الأركان المشتركة، بدعم من إسرائيل، خططوا لإكمال العملية خلال 4 أيام، بحيث يتم خلالها الإطاحة بالنظام الإيراني وهزيمة الجيش الإيراني وتنصيب "حكومة موالية"، إضافة إلى السيطرة على النفط الإيراني، في ما يشبه "نزهة سهلة" على غرار ما حدث في فنزويلا. واعتبر أن الخطة كانت تقوم على تنفيذ قصف سريع يتحول لاحقًا إلى احتفال بالنصر.
لكن ذلك، بحسب بارانيتس، تحوّل إلى مشكلة حقيقية، بعدما تبيّن أن حسابات السياسيين الأميركيين كانت خاطئة، مشيرًا إلى أن "أحدًا لم يسأل هذه المرة رأي الجنرالات". وأضاف أنه من الواضح أنهم لم يتوقعوا أن يبدي الجيش الإيراني والحرس الثوري مثل هذا المستوى من المقاومة.
وأوضح أن أصحاب "الهياج الملحمي"، بعد إدراكهم أن العملية لن تنتهي خلال 4 أيام ولا حتى 4 أسابيع، بدأوا يتحدثون عن 100 يوم، في وقت أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعالم "الهزيمة الكاملة للجيش الإيراني" ودعاه إلى الاستسلام.
وبعد استعراض هذه التطورات، علّق بارانيتس قائلاً إن النظام السياسي الإيراني يبدو أنه اكتسب "نفسًا جديدًا"، بعدما جرى استبدال عدد من القادة والجنرالات القدامى بآخرين أصغر سنًا وأكثر جرأة، الأمر الذي أدى إلى التفاف الشعب حولهم بسرعة.
وفي المقابل، رأى الخبير العسكري أن المشهد داخل الولايات المتحدة يسير في الاتجاه المعاكس، إذ تشهد الدوائر الحاكمة انقسامًا متزايدًا، مع توجيه اتهامات للبيت الأبيض بالضعف وغياب الخطة العسكرية الواضحة. وأضاف أن ترامب وأنصاره يواجهون بالفعل تهديدًا بما وصفه بـ"جنازة سياسية".
كما أشار إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة الحرب في إيران انعكس مباشرة على محطات الوقود في الولايات المتحدة، وهو ما يثير استياء الناخب الأميركي. ولفت إلى أن بعض المقربين من الرئيس الأميركي يدعونه إلى "إنهاء الحرب الفاشلة سريعًا عبر إعلان النصر".
وأضاف أن مجلات في دول حليفة للولايات المتحدة بدأت تنشر عناوين ساخرة من واشنطن، بعدما جرى التلاعب باسم العملية العسكرية في إيران، التي حملت عنوان "الغضب الملحمي"، لتُوصف لاحقًا بأنها "فشل ملحمي".
ورأى الكاتب أن العملية العسكرية في إيران ألحقت أضرارًا كبيرة بالميزانية الأميركية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة أنفقت خلال اليومين الأولين من الحرب أكثر من 6 مليار دولار، في حين قد يقترب الإنفاق من 100 مليار دولار خلال أسبوعين.
في المقابل، أنفقت إيران أقل بنحو مرتين في المتوسط، نظرًا لعدم حاجتها إلى نقل الصواريخ والذخائر والسفن من الخارج، إضافة إلى أن الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية أقل كلفة من نظيراتها الأميركية.
وتطرق بارانيتس أيضًا إلى أرقام الخسائر العسكرية المباشرة في الحرب المستمرة منذ 28 شباط الماضي، متسائلًا عن عدد الطائرات الأميركية والطائرات المسيرة الاستراتيجية التي تم إسقاطها خلال الأسبوعين الماضيين. وأشار إلى أنه، كما هو معتاد في مثل هذه الحروب، يقلل كل طرف من خسائره ويبالغ في تقدير خسائر خصمه.
ومع ذلك، لفت إلى أن الولايات المتحدة اعترفت بخسارة 3 طائرات إف-15 وطائرة إف-16، مشيرًا إلى أن الرواية الأميركية تقول إنها أصيبت جميعها بـ"نيران صديقة". واعتبر أن الاعتراف بإسقاط هذه الطائرات بواسطة الدفاعات الجوية الإيرانية قد يؤدي مستقبلًا إلى خسارة صفقات شراء هذه الطائرات في الأسواق العالمية.
كما رأى العقيد المتقاعد أن الصورة نفسها تنطبق على الخسائر البشرية للطرفين. وبحسب تقديرات إيرانية، بلغت خسائر طهران نحو 660 جنديًا، في حين تضاعف واشنطن الرقم 5 مرات. ومع ذلك، يرى الخبير أن هذه الخسائر ليست كارثية بالنسبة لإيران، التي يتجاوز عدد قواتها في الجيش والحرس الثوري 500 ألف عنصر.
وفي ختام تحليله، تناول بارانيتس السيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب، مشيرًا إلى أن المحللين الغربيين يتحدثون عن 3 سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول يتمثل في انتهاء الحرب قريبًا وبدء مرحلة انفراج سياسي، إذ يعتقد أصحاب هذا الرأي أن السلطات الإيرانية الجديدة قد تتجه إلى المصالحة مع الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، وأن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد يتحالف مع الإصلاحيين والمعارضة، ما قد يؤدي إلى تغيير تدريجي للنظام من الداخل.
لكن هذا السيناريو، وفق التحليل، يتطلب هزيمة الحرس الثوري وتدمير الترسانة العسكرية الإيرانية بالكامل، الأمر الذي قد يدفع طهران إلى التخلي عن برنامجها النووي.
أما السيناريو الثاني، الذي يوصف بالمحايد، فيفترض أن تنتهي الحرب بـ"تعادل"، دون حدوث تغييرات جيوسياسية كبرى في المنطقة، على أن تبدأ بعدها مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم، تبقى خلالها احتمالات الصراع مفتوحة.
في حين يتمثل السيناريو الثالث والأخطر في احتمال توسّع الحرب تدريجيًا لتتحول إلى صراع عالمي شامل يجذب قوى دولية كبرى أخرى، ما قد يدفع العالم نحو تشكّل نظام دولي جديد مختلف جذريًا عمّا كان عليه سابقًا.
×