عاجل:

السلطة المتوارثة: العدو الخفي لمستقبل لبنان..

  • ٣٢
في الحروب الكبرى لا تُقاس قوة الدول بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرتها على أن تكون صاحبة القرار في أرضها. وهنا تكمن مأساة لبنان اليوم، إنه بلد يقف في قلب عاصفة إقليمية بين إسرائيل وإيران، لكنه يقف فيها كمتفرّج تقصف أرضه.

المفارقة أن لبنان ليس ساحة حرب بالمعنى التقليدي، فالساحات تُدار عادةً من طرفٍ واحد أو طرفين واضحين. أما هنا، فالوضع أشبه برقعة شطرنج تُحرَّك عليها القطع بينما الطاولة نفسها بلا صاحب.

وليست المشكلة أن لبنان يقع جغرافياً على خط النار، فالتاريخ مليء بدول عاشت على خطوط الصدع. المشكلة أن القرار اللبناني أصبح مثل مرآة مكسورة، كل طرف يرى فيها صورته، لكن لا أحد يرى الدولة.

ومن المؤلم أكثر أن السلطة نفسها، المتوارثة منذ خمسين سنة، جزء من المشكلة، وبالتالي لن تستطيع حل الأزمة التي سببتها جزئيًا. فكما قال أينشتاين: "لا يمكننا حل مشكلاتنا بنفس التفكير الذي استخدمناه عندما أوجدناها." هذه المقولة تلخص واقع السلطة الحالية، التي تستمر في إدارة الدولة بنفس العقلية القديمة، بينما الوطن ينهار أمام أعين الجميع.

ومنذ سنوات، يتحدث اللبنانيون عن "توازن الردع" وعن "محور" يواجه محوراً آخر. لكن ما يجري اليوم يكشف حقيقة مختلفة، ألا وهي أن لبنان لم يعد جزءاً من معادلة الردع بقدر ما أصبح هامشاً في معادلة أكبر منه بكثير. فالحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران ليست حرب حدود، بل حرب نفوذ ونماذج وقوة إقليمية، ولبنان يقع في منتصفها كمن يقف بين قطارين يسيران في اتجاهين متعاكسين.

في مثل هذه اللحظات، لا يُقاس ضعف الدولة فقط بغياب القرار، بل بغياب حتى السؤال عن القرار. فحين تتصاعد المواجهات، لا يسأل اللبنانيون "ماذا قررت الدولة؟ بل يسألون: ماذا سيحدث بعد؟"

ذلك أن الدولة هنا تشبه برج مراقبة مطفأ الأنوار في مطار مزدحم بالطائرات. الطائرات تقلع وتهبط، المسارات تتقاطع، والضجيج يملأ السماء، لكن البرج لا يوجّه أحداً.

هذا ليس توصيفاً سياسياً فحسب، بل تحوّل عميق في مفهوم الدولة نفسها. فالدولة ليست مجرد مؤسسات، بل احتكار للقرار السيادي. وعندما يتوزع هذا القرار بين قوى داخلية وضغوط خارجية وحسابات إقليمية، تتحول الدولة تدريجياً إلى إطار إداري لحياة يومية، لا مرجعية لقرار مصيري.

ولعل أخطر ما في اللحظة الحالية أن لبنان لم يعد يُنظر إليه في الإقليم كدولة تواجه أزمة، بل كجبهة محتملة في أي مواجهة أكبر. أي أنه أصبح بنداً في حسابات الآخرين قبل أن يكون ملفاً في جدول أعماله.

هكذا يتحول البلد من لاعب إلى ساحة، ومن قرار إلى احتمال.
 
لكن التاريخ يقول إن الدول لا تختفي فجأة. هي تتآكل ببطء، مثل جرفٍ بحري تنحت الأمواج أطرافه يوماً بعد يوم. قد يبقى واقفاً لسنوات، لكن شكله يتغير تدريجياً حتى يصبح ما كان يوماً صخرة صلبة مجرد حافة قابلة للانهيار.

لبنان اليوم يقف على هذه الحافة. ليس لأن الحرب تدور حوله فقط، بل لأن السؤال الأساسي لم يعد: كيف يخرج لبنان من الحرب؟ بل هل ما زال لبنان يملك القدرة على أن يقرر خروجه منها؟

وهذا السؤال يحدد مستقبل الدولة أكثر من أي صاروخ أو غارة ويكشف عمق مأساة وطن فقد التحكم في مصيره.
المنشورات ذات الصلة