التعليم عن بُعد في زمن الأزمات: بين استمرارية التعلّم وهواجس الهيئة التعليمية

  • ٦٥
لم يعد القطاع التربوي في لبنان بمنأى عن تداعيات التطوّرات الأمنية المتسارعة، إذ وجد نفسه أمام واقع جديد فرضته موجات النزوح وتعطّل عدد من المؤسّسات التعليمية في مناطق مختلفة من البلاد.

فمع تحوّل عدد من المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء، شهدت العملية التعليمية اضطرابات واسعة، ما دفع وزارة التربية إلى إعادة طرح خيار التعليم عن بُعد كحلّ اضطراري يهدف إلى الحفاظ على استمرارية العام الدراسي.

هذا الخيار، الذي اختبره لبنان سابقاً خلال جائحة كورونا، يعود اليوم في ظروف مختلفة وأكثر تعقيداً، وسط تساؤلات حول مدى فاعليته وقدرته على تعويض التعليم الحضوري، لا سيما في ظل تفاوت الإمكانات التقنية والاجتماعية بين الطلاب.

حلّ اضطراري في ظروف استثنائية

مصادر تربوية تؤكّد أن اللجوء إلى التعليم عن بُعد لم يكن خياراً تربوياً مثالياً، بل نتيجة مباشرة للظروف الميدانية التي فرضت نفسها على الأرض. فاستمرار استخدام عدد من المدارس كمراكز إيواء جعل العودة إلى الصفوف أمراً صعباً في المدى القريب.
وتشير هذه المصادر إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في منع انقطاع الطلاب عن الدراسة لفترة طويلة، خصوصاً في ظل غياب وضوح كامل حول مسار التطورات الأمنية واحتمالات امتدادها زمنياً.

التحديات التقنية والتربوية

غير أن التعليم عبر الإنترنت لا يخلو من تحديات. فضعف البنية التحتية للاتصالات في بعض المناطق، وانقطاع الإنترنت أحياناً، يشكلان عائقاً أمام متابعة الحصص بانتظام. كما أن هذا النمط من التعليم يتطلب استقراراً تقنياً وأدوات رقمية متوافرة لدى جميع الطلاب، وهو أمر غير متحقق بشكل متساوٍ بين العائلات.
من جهة أخرى، يرى عدد من المعلمين أن التفاعل داخل الصف الافتراضي يختلف جذرياً عن الصف التقليدي، سواء من حيث إدارة الحصة أو متابعة مستوى الفهم لدى الطلاب، ما يفرض جهداً إضافياً على الهيئة التعليمية لضمان فعالية الدروس.

قرار لتنظيم التعليم عن بُعد: والانتقادات مُستمرّة..

في موازاة الجدل حول فعالية التعليم عن بُعد، تؤكد وزارة التربية اعتماد مُقاربة مرنة لضمان استمرارية العام الدراسي. وفي هذا الإطار، أصدرت وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي القرار رقم 407/م/2026 الذي يحدّد آلية تنفيذ التعليم عن بُعد في المدارس والثانويات الرسمية المقفلة بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان.
ويقضي القرار بتنظيم العملية التعليمية عبر إدارات المدارس الرسمية، مع اعتماد منصات رقمية أبرزها Microsoft Teams ومنصّة «مدرستي»، وتحديد الحصة التعليمية عن بُعد بأربعين دقيقة بمعدّل 24 حصة أسبوعياً، إضافة إلى متابعة دورية من المناطق التربوية وجهاز الإرشاد والتوجيه لسير العملية التعليمية.
غير أن هذه المُقاربة ما تزال تواجه انتقادات من بعض التربويين والنقابيين، الذين يشيرون إلى استمرار ملفات عالقة في القطاع، من بينها مُستحقّات الأساتذة المتأخرة، وضعف الحوار مع المُتعاقدين، والجدل الذي أثارته تعاميم اعتُبرت مُقيّدة لتصريحات المعلمين في الإعلام. ويرى مُتابعون أن نجاح التعليم عن بُعد لن يُقاس فقط بتنظيمه إدارياً، بل بمدى قدرة الوزارة على مُعالجة هذه التحديات بالتوازي.

رأي الهيئة التعليمية: التعليم عن بُعد ضرورة في زمن الأزمات

في هذا السياق، تُشير المُعلمة في مدرسة معهد الرسل- جونية بولا الراسي إلى أن التعليم عن بُعد يشكّل في الظروف الراهنة وسيلة ضرورية للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية، رغم التحديات التي تُرافقه.
وتقول: "يُعدّ التعليم عن بُعد، في ظلّ ظروف الحرب كما هو الحال في لبنان، حلاً مهماً لضمان استمرارية التعلّم. فهو يسمح بالحفاظ على التواصل بين المدرسة والتلاميذ والمعلمين رغم الظروف الصعبة. ومع ذلك، فإن هذا النمط من التعليم يواجه عدة تحديات، خاصّة بالنسبة للأطفال الصغار الذين يحتاجون إلى تفاعل مباشر وأنشطة عملية وبيئة مدرسية منظّمة." وتُضيف: "كوني مُعلّمة، لاحظت أن التعليم عن بُعد يتطلّب الكثير من التكيّف والإبداع والصبر. وعلى الرغم من الصعوبات المُرتبطة بانقطاع الكهرباء وضعف الاتصال بالإنترنت وصعوبة تركيز التلاميذ، إلا أنه يبقى وسيلة مهمّة لدعم الأطفال ومنحهم شعوراً بالاستقرار في فترة يسودها عدم اليقين."

انقسام في مواقف الأهالي

في حديث لـ "إيست نيوز"، جاءَت آراء الأهالي مُنقسمة بين من يعتبر التعليم عن بُعد خياراً واقعياً يضمن استمرار الدراسة، ومن يرى فيه حلاً غير عادل في ظل التفاوت التقني والإقتصادي بين العائلات.
يقول أحد الأهالي، سامر الحاج، إن "استمرار التعليم، عن بُعد، أفضل من توقّفه بالكامل"، مُعتبراً أن الظروف الحالية لا تتيح خيارات كثيرة.
في المُقابل، ترى ليال منصور أن "ضعف خدمة الإنترنت يشكّل عائقاً أساسياً أمام نجاح التجربة"، مُشيرة إلى أن بعض الحصص تنقطع بسبب ضعف الاتصال، ما يؤثّر سلباً على تركيز الطلاب.
كما يلفت والدان آخران إلى أن الكلفة الإضافية للإنترنت والأجهزة الإلكترونية تشكّل عبئاً مالياً في ظلّ الظروف الإقتصادية الصعبة، خصوصاً بالنسبة إلى العائلات التي تضمّ أكثر من طالب.
ويُضيف جورج كلاس أن النظرة السائدة حول التعليم عن بُعد لا تزال مُتأثّرة ببعض الأحكام المُسبقة، قائلاً: "كنا نسمع ونرى سابقاً نكاتاً تُطلق حول من يتخرّج عن بُعد، وكأن التعلّم "أونلاين" لا يوازي التعليم الحضوري. حتى إننا كنا نُشاهد رسوماً ساخرة لبنايات بتصاميم هندسية غير دقيقة، ويُقال إن من صمّمها تخرّج عن بُعد".
وتابع: "أنا وزوجتي نعمل، فكيف يمكن لنا أن نترك عملنا ونبقى إلى جانب أولادنا خلال ساعات التعليم عن بُعد؟ خصوصاً أننا نتحمّل أساساً أعباء الأقساط المدرسية المُرتفعة".

بين الاستمرارية والعدالة التعليمية

في خضم هذا الجدل، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة التعليم عن بُعد على تحقيق العدالة التعليمية بين جميع الطلاب، في ظل تفاوت الإمكانات. فبين من يملك أجهزة حديثة واتصالاً مُستقراً، ومن يواجه صعوبات تقنية يومية، تتفاوت فرص المتابعة والتحصيل.

ويؤكّد خبراء تربويون أن التعليم عن بُعد يمكن أن يكون أداة مُساندة فعّالة في الظروف الطارئة، لكنه لا يمكن أن يحلّ مكان التعليم الحضوري بشكل كامل، لما يوفره الأخير من تفاعل مباشر وضبط تربوي ومناخ اجتماعي ضروري لنمو الطالب.

هل يتحوّل الإستثناء إلى واقع دائم؟

في بلد اعتاد مواجهة الأزمات المُتلاحقة، يجد القطاع التربوي نفسه مُجدّداً أمام اختبار صعب. فهل ينجح التعليم عن بُعد في سدّ الفجوة مؤقّتاً إلى حين عودة الاستقرار، أم يتحوّل إلى واقع طويل الأمد يفرض نفسه دون استعداد كافٍ؟

ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع النظام التربوي في لبنان حماية حقّ الطلاب في التعليم مهما كانت الظروف، أم سيبقى هذا الحقّ رهينة الاستثناءات المُتكرّرة؟
المنشورات ذات الصلة