عاجل:

الرياض تنذر طهران: نفد صبرنا

  • ١٣
فوجئت دول المنطقة، لا سيما الخليجيّة منها، بقدرة إيران على إسقاط المحرّمات، وإقران القول بالفعل، واستباحة مدن وشوارع آمنة لدى البلدان المجاورة، واستدراج الحرب إلى دول مجلس التعاون، وكذلك العراق ولبنان وتركيا وأذربيجان وغيرها. أدخلت إيران، عبر “حزبها”، لبنان في أتون نكبة جديدة، فيما تولّت القدرات الدفاعيّة العسكريّة الخليجيّة ردّ الاعتداءات المتعمّدة الصادرة عن قرار ممّن بقي من قيادة في طهران. بالمقابل تولّت المملكة المملكة السعودية ترتيب فضاء سياسيّ مواكب في الخليج يتمدّد إلى فضاءات جيوستراتيجيّة واسعة.

استضافت الرياض، الأربعاء، اجتماعاً وزاريّاً تشاوريّاً استثنائيّاً لوزراء خارجيّة 12 دولة عربيّة وإسلاميّة: أذربيجان، البحرين، مصر، الأردن، الكويت، لبنان، باكستان، قطر، المملكة السعوديّة، سوريا، تركيا، والإمارات. ولم يكن صعباً استنتاج أنّ أغلب تلك الدول نالتها، بدرجات متفاوتة، نيران حرب لا علاقة لها بها.

لم تكن طهران جزءاً من الاجتماع، ولم تُوجَّه لها دعوة إلى حضوره، بما يشير إلى الدرك الذي انزلقت إليه علاقات المملكة السعوديّة والمنطقة مع إيران. كان الهدف الرسميّ للاجتماع، وفق ما أعلنته وزارة الخارجيّة السعوديّة، “المزيد من التشاور والتنسيق في سبل دعم أمن المنطقة واستقرارها”، مع التركيز على مواجهة “التصعيد الإيرانيّ” وتعزيز التنسيق الإقليميّ للحماية من تداعيات الحرب.

البيان المشترك

أصدر الاجتماع بياناً نهائيّاً مشتركاً أكّد عناوين أهمّها:

1- إدانة الاعتداءات الإيرانيّة المتعمّدة باستخدام الصواريخ البالستيّة والطائرات المسيّرة على دول الخليج العربيّة، الأردن، أذربيجان، وتركيا، التي استهدفت مناطق سكنيّة وبنى تحتيّة مدنيّة لا يمكن تبريرها تحت أيّ ذريعة أو شكل.

2- التشديد على ضرورة التزام إيران الكامل للقانون الدوليّ والقانون الدوليّ الإنسانيّ، مبادئ حسن الجوار، عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول، وعدم استخدام إمكاناتها العسكريّة لتهديد دول المنطقة.

3- تأكيد حقّ الدول المعنيّة في الدفاع عن نفسها وفقاً للمادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة.

استضافت الرياض، الأربعاء، اجتماعاً وزاريّاً تشاوريّاً استثنائيّاً لوزراء خارجيّة 12 دولة عربيّة وإسلاميّة

4- مواصلة التشاور بما يكفل بلورة المواقف المشتركة واتّخاذ ما تقتضيه الحاجة من تدابير وإجراءات مشروعة لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها، ووقف الاعتداءات الإيرانيّة الآثمة على أراضيها.

5- تأكيد ضرورة التزام إيران تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026)، الذي أدان الهجمات، والدعوة إلى تفعيل الدبلوماسيّة سبيلاً لحلّ الأزمات.

6- تأكيد دعم أمن واستقرار ووحدة أراضي لبنان، تفعيل سيادة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها، دعم قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة، والإعراب أيضاً عن إدانة عدوان إسرائيل على لبنان وسياستها التوسّعيّة في المنطقة.

إنذار على لسان بن فرحان

لكنّ ما لم تقُله ديباجات البيان الدبلوماسيّة قاله وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان. بدا أنّ في اللغة غضباً وعتباً ولهجة إنذار وشبه إعلان لسقوط “اتّفاق بكين” الذي رعت إبرامه الصين في 10 آذار 2023، وتقادم نصوصه. ويكفي تأمّل العناوين البارزة للخطاب السعوديّ الجديد على لسان وزير المملكة:

1- إنّ “صبرنا على الاعتداءات الإيرانيّة ليس بلا حدود”.

2- إنّ “إصرار إيران على انتهاك مبادئ حسن الجوار أدّى إلى تآكل الثقة بها إقليميّاً ودوليّاً”.

3- “إذا اعتقدت إيران أنّ دول الخليج غير قادرة على الردّ فحساباتها خطأ… التصعيد يقابله تصعيد”.

الرياض

4- “تحتفظ المملكة بحقّها في اتّخاذ إجراءات عسكريّة إذا لزم الأمر”.

5- “استهداف الرياض خلال وجود دبلوماسيّين لم يكن صدفة” (في إشارة إلى هجمات صاروخيّة استهدفت المدينة أثناء الاجتماع، تعاملت معها الدفاعات الجوّيّة).

6- “السلوك الإيرانيّ هو امتداد لسجلّ تاريخيّ قائم على نهج الابتزاز”.

7- “استمرار الاعتداء على دول الجوار لن يحقّق لطهران أيّ مكاسب، بل سيؤدّي إلى نتائج عكسيّة تفاقم من معاناتها وتكلّفها ثمناً سياسيّاً يزيد من عزلتها”.

8- “لم تكن إيران يوماً شريكاً استراتيجيّاً للمملكة، وكان يمكنها أن تصبح كذلك لو تخلّت عن أفكار الهيمنة الإقليميّة وتصدير الثورة واستخدام القوّة”.

الاجتماع وجّه رسالة أشمل مصدرها الرياض ترعى المملكة السعوديّة مضامينها

9- “كانت هناك محاولات متكرّرة من المملكة لمدّ يد الأخوّة للإيرانيّين، وآخِرتها اتّفاق بكين، لكنّ الجانب الإيرانيّ لم يقابل هذه اليد الممدودة بمثلها”.

بدا أنّ ما صدر بعد الاجتماع عن عدد من وزراء الخارجيّة يكشف إلى جانب تصريحات الوزير السعوديّ المزاج الحقيقيّ لأجواء المناسبة الطارئة. توالى وزير خارجيّة الكويت جرّاح الجابر، وزير خارجيّة تركيا حقّان فيدان، وزير خارجيّة الأردن أيمن الصفدي، وزير خارجيّة مصر بدر عبدالعاطي، ووزراء آخرون، على استخدام عبارات “الإدانة” والتلويح بـ”حقّ الردّ”، والتلميح إلى “الالتزامات الدفاعيّة المشتركة” واحتمالات تفعيلها.

مجموعة رسائل

تستبعد مصادر دبلوماسيّة أن يكون الاجتماع خطوة أولى نحو انخراط عسكريّ مباشر في حرب إيران في الوقت الراهن. لم يتضمّن البيان والتصريحات المتفرّقة أيّ إشارة صريحة إلى عمل عسكريّ مشترك، لكنّ الاجتماع وجّه إنذاراً لإيران حمل مجموعة من الرسائل:

1- الهجمات الإيرانيّة غير مبرَّرة حتّى لو ادّعت طهران أنّها موجّهة ضدّ قواعد أميركيّة أو أهداف عسكريّة.

2- تمتلك دول الاجتماع حقّ الدفاع عن النفس وفق المادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة.

3- الهجمات الإيرانيّة لم تعد قضيّة خليجيّة ثنائيّة، بل قضيّة إقليميّة متعدّدة الأطراف.

4- عبارات مثل “اتّخاذ ما تقتضيه الحاجة من تدابير وإجراءات مشروعة لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها” تفتح الباب نظريّاً لتصعيد تدريجيّ من دون الذهاب بالضرورة إلى تحالف هجوميّ واسع أو حرب شاملة.

لكنّ الاجتماع وجّه رسالة أشمل مصدرها الرياض ترعى المملكة السعوديّة مضامينها: تتموضع المنطقة، ببعدَيها العربيّ والإسلاميّ، مجتمعة للإمساك بمسارات الحرب، وخصوصاً ما بعدها.

يؤسّس الاجتماع العربيّ-الإسلاميّ، بعد ذلك الخليجيّ، لتراكم مواقف وتدابير وقرارات لمواكبة تحوّلات جيوسياسيّة، قد تكون تاريخيّة في المنطقة الواسعة، بحيث لا ينبغي أن تقرّرها الولايات المتّحدة وإسرائيل، أو أيّ تفاهمات مهندسة مع إيران، أيّاً كان شكل نظامها وتحوّلاته المحتملة في طهران.

محمد قواص
المنشورات ذات الصلة