عاجل:

لبنان بين التوتر الحدودي والأزمات الداخلية: هل يمكن تحقيق الاستقرار؟

  • ٦٣
يمرّ لبنان في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الأزمات الأمنية مع الانهيارات الإقتصادية والاجتماعية، في مشهد مُعقّد يضع الدولة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود وإدارة الأزمات.

فمع تصاعد التوتّرات على الحدود الجنوبية، واستمرار الضغوط المعيشية على المواطنين، تبدو البلاد وكأنها تسير على حافة مرحلة أكثر خطورة.

التصعيد العسكري وتأثيره على الداخل

شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في جنوب لبنان، حيث أعلنت إسرائيل استهداف جسور على نهر الليطاني ضمن عملياتها العسكرية ضد مواقع تابعة لحزب الله. وقد أدّى هذا التصعيد إلى نزوح أعداد من المدنيين من المناطق الحدودية، بالتوازي مع أضرار مباشرة لحقت بالبنية التحتية.

هذا الواقع فرض ضغوطاً إضافية على الخدمات الأساسية، من مستشفيات ومدارس ومراكز إيواء، كما أدى إلى شلل شبه كامل في النشاط الاقتصادي في القرى المحاذية للحدود، ولا سيما في القطاعات الزراعية والأعمال الصغيرة.

خبير عسكري: ازدواجية القرار تعرقل بسط سلطة الدولة

وفي هذا السياق، يرى العميد المتقاعد جورج الصغير، في تصريح لـ "إيست نيوز"، أن "الأزمة في لبنان لا ترتبط بضعف أو غياب الجيش اللبناني، بقدر ما ترتبط بغياب القرار السياسي الجامع الذي يتيح للمؤسسة العسكرية مُمارسة دورها كاملاً في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. ويشير إلى أن الجيش يمتلك العقيدة والانضباط، لكنه يبقى مقيّداً بسقف التوازنات السياسية الداخلية، ما يحدّ من قدرته على الحسم في الملفات الحساسة".

ويؤكّد الصغير أن "مُعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، ولا سيّما سلاح حزب الله، لا يمكن أن تتمّ من خلال مواجهة داخلية، لما تحمله من مخاطر إعادة إنتاج مشاهد الانقسام التي شهدها لبنان خلال الحرب الأهلية، بل تحتاج إلى مقاربة سياسية تدريجية قائمة على الحوار والتفاهمات الوطنية".

وفي سياق متّصل، يلفت إلى أن "الخلل القائم لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى بنية النظام السياسي نفسه، حيث لا تزال الشراكة الوطنية محكومة بمنطق المحاصصة والتوازنات الطائفية، بدلاً من أن تقوم على مبدأ المواطنة المُتساوية".

ويرى أن "هذا الواقع يولّد شعوراً دائماً بالغبن لدى مُختلف المكونات، ما ينعكس توتّراً سياسياً مستمراً".

ويخلص الصغير إلى أن "المدخل الحقيقي للاستقرار يبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، من خلال توحيد القرار السياسي، وتعزيز دور المؤسّسات الشرعية، وإرساء صيغة عادلة تضمن حقوق جميع اللبنانيين ضمن إطار سيادي واضح، بعيداً عن أي ازدواجية في السلطة أو السلاح".

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

على الصعيد الداخلي، لا تزال الأزمة الاقتصادية تلقي بثقلها على حياة اللبنانيين، في ظلّ ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً لعدد كبير من الأسر.

وتشير التقديرات إلى ارتفاع معدّلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، فيما تحاول الحكومة التعامل مع الأزمة من خلال مشروع قانون “الفجوة المالية”، الهادف إلى معالجة خسائر القطاع المصرفي واستعادة الثقة به. إلا أن الآراء تتباين حول جدوى هذه الخطوة، إذ يرى بعض الخبراء أن الإصلاحات المالية، على أهميتها، لا تكفي وحدها، بل يجب أن تترافق مع خطط إنمائية تعيد تحريك القطاعات الإنتاجية وتخلق فرص عمل مُستدامة.

التحديات الإنسانية والإنمائية

في موازاة ذلك، تؤكد تقارير المنظمات الدولية أن الوضع الإنساني في لبنان لا يزال هشاً، مع استمرار نقص السلع الأساسية وارتفاع كلفتها. ويواجه النازحون داخلياً صعوبات كبيرة في الحصول على الخدمات الصحية والغذائية، ما يزيد من الضغوط على المجتمع المضيف ومؤسسات الدولة.

كما يتأثّر قطاعاً التعليم والصحة بشكل مباشر بهذه الأزمات، مع تحويل بعض المدارس إلى مراكز إيواء، واستمرار النقص في الأدوية والمُستلزمات الطبية في المستشفيات. وتعكس هذه المُعطيات حجم الترابط بين الأزمات، حيث تتداخل الأبعاد الأمنية والاقتصادية والإجتماعية في مشهد واحد معقّد.

السياق السياسي والتحليلي

يفرض الواقع الراهن على السلطات اللبنانية اعتماد مُقاربة شاملة تتجاوز المعالجات الظرفية، نحو تخطيط استراتيجي بعيد المدى. فإلى جانب احتواء التحديات الأمنية، تبرز الحاجة إلى إصلاحات بنيوية تعيد الثقة بالمؤسّسات، وتؤسس لمرحلة أكثر استقراراً.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن الضغوط الإقليمية والدولية، التي تؤثّر بشكل مباشر في القرار اللبناني، في ظلّ تداخل المصالح وتعدد الجهات الفاعلة على الساحة الداخلية.

المشهد الراهن

لا يمكن فصل هذا المسار عن الضغوط الإقليمية والدولية، التي تؤثّر بشكل مباشر في القرار اللبناني، مع تداخل المصالح وتعدّد الجهات الفاعلة على الساحة الداخلية.

وسط هذا التشابك غير المسبوق بين الأزمات، يقف لبنان أمام مفترق حاسم، إذ لم يعد مُمكناً الفصل بين الأمن والسياسة والاقتصاد، ولا الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق التسويات المؤقتة.

فهل تنجح الدولة في فرض منطقها واستعادة زمام المُبادرة، أم أن تداخل الأزمات سيبقي لبنان أسير التوازنات الهشّة، مؤجّلاً مرّة جديدة أي استقرار فعلي؟
المنشورات ذات الصلة