انشغال واشنطن بحرب إيران لا يمنح بكين ضوءاً أخضر… لكنّه يفتح مساحة لاختبار حدود الردع الأميركيّ خطوة بعد خطوة. في غرفة عمليّات مزدحمة في وزارة الحرب في واشنطن، تُعرض خرائط الشرق الأوسط على الشاشات: مضيق هرمز، القواعد العسكريّة، مسارات الصواريخ. كلّ الأنظار متّجهة إلى إيران. لكن على شاشة أخرى، أقلّ ازدحاماً بالاهتمام، تتحرّك نقاط حمر في مضيق بعيد، مضيق تايوان. هناك، في صمت نسبيّ، تُطرح الأسئلة الأخطر: ماذا يحدث عندما ينشغل الخصم في مكان آخر؟ هل تُفتح الحروب الكبرى عندما يكون العالم منشغلاً بحرب أصغر؟
الجواب على السؤال عمّا إذا كانت الصين تريد تايوان محسوم في خطاب بكين منذ سنوات. السؤال اليوم، في ظلّ انشغال الولايات المتّحدة بحرب مفتوحة في الشرق الأوسط، هو ما إذا كانت هذه اللحظة تمثّل فرصة للتحرّك.
لكنّ في واشنطن نقاشاً آخر يدور بهدوء خلف الأبواب المغلقة. ليس معلناً بالكامل، لكنّه حاضر في بعض دوائر التفكير الاستراتيجيّ: ماذا لو أنّ إطالة أمد المواجهة مع إيران لا تُضعف الولايات المتّحدة بقدر ما تعيد ترتيب البيئة الاستراتيجيّة حول الصين؟
لخّص أحد المسؤولين السابقين هذا الطرح قائلاً: “ليست كلّ الحروب تُخاض لهزيمة الخصم المباشر… بعضها يُدار لإعادة توزيع الضغط على الخصم الأكبر”.
وفق هذه القراءة، لا يعني استمرار التوتّر في الخليج استنزاف إيران فقط، بل يضع أيضاً عبئاً غير مباشر على الصين، التي تعتمد بشكل كبير على تدفّقات الطاقة عبر هذه المنطقة. كلّ اضطراب في هذه الممرّات يذكّر بكين بمدى هشاشة أحد أعمدة صعودها الاقتصاديّ.
في الوقت نفسه، يقلّص إضعاف إيران الشريك السياسيّ والاقتصاديّ هامش الحركة الذي تستفيد منه الصين في مواجهة الضغوط الغربيّة. هنا لا يعود الشرق الأوسط ساحة منفصلة، بل يتحوّل إلى جزء من معادلة أوسع: طاقة، تجارة، ونفوذ.
البعد الاقتصاديّ الأعمق
لكنّ الصورة لا تكتمل من دون البعد الاقتصاديّ الأعمق. لم يعد الصراع الأميركيّ – الصينيّ عسكريّاً أو سياسيّاً فقط، بل بات يتمحور حول سلاسل الإمداد العالميّة والتكنولوجيا المتقدّمة، وفي قلبها أشباه الموصلات التي تنتجها تايوان. أيّ خلل في استقرار الجزيرة لا يهدّد الأمن الإقليميّ فقط، بل يضرب قلب الاقتصاد العالميّ، من الصناعات التكنولوجيّة إلى الدفاعيّة.
بمعنى آخر، ليست تايوان نقطة جغرافيّة فقط… بل عقدة استراتيجيّة في صراع على من يقود الاقتصاد العالميّ في العقود المقبلة.
في الحسابات الاستراتيجيّة، لا تتحرّك الدول الكبرى فقط عندما تكون الظروف مثاليّة، بل عندما تشعر بأنّ خصومها منشغلون أو متردّدون. استنزفت الحرب مع إيران جزءاً مهمّاً من التركيز العسكريّ والسياسيّ الأميركيّ. وهذا لا يفتح الطريق أمام بكين بقدر ما يفتح ما يمكن تسميته “نافذة اختبار”.
ربّما أحد أبرز المؤشّرات إلى هذا التحوّل هو تأجيل زيارة الرئيس دونالد ترامب للصين، التي كانت ستشكّل محطّة أساسيّة في إعادة ضبط العلاقة بين القوّتين. لا يعكس تأجيلها تعديلاً في جدول دبلوماسيّ، بل يكشف إعادة ترتيب أولويّات تحت ضغط الحرب.
في عالم القوّة، لا تُقرأ مثل هذه الإشارات كبروتوكول بل كمؤشّرات إلى أين يتركّز الانتباه، وأين يمكن اختبار الحدود. بالنسبة لبكين، غياب هذا المسار المباشر، على الأقلّ مؤقّتاً، قد يفتح المجال لطرح السؤال الأخطر: هل هذا وقت التهدئة أم وقت الاختبار؟
لا تبحث الصين في خيار الغزو فقط، بل تسأل سؤالاً أكثر دقّة: هل تستطيع الولايات المتّحدة فعلاً أن تحافظ على ردع فعّال في أكثر من جبهة في آن واحد؟
قد يحدّد الجواب على هذا السؤال شكل المرحلة المقبلة. يبقى الغزو المباشر الخيار الأكثر كلفة وتعقيداً. يتطلّب عبور مضيق تايوان تفوّقاً عسكريّاً شبه كامل، واستعداداً لتحمّل خسائر كبيرة، مع احتمال تدخّل أميركيّ أو إقليميّ لا يمكن استبعاده. أيّ تعثّر في مثل هذه العمليّة قد يتحوّل إلى أزمة داخليّة خطِرة في بكين.
مناورات وضغط عسكريّ
لهذا السبب، يبدو أنّ الغزو ليس السيناريو الأقرب بل ما يسبقه. ما نشهده اليوم هو تحضير لخيارات أقلّ كلفة وأكثر مرونة: مناورات واسعة، ضغط عسكريّ متواصل، محاكاة للحصار، وتصعيد محسوب يبقى تحت عتبة الحرب الشاملة.
ليس الهدف السيطرة الفوريّة على تايوان، بل تغيير الواقع تدريجاً، يجعل الضغط العسكريّ والاقتصاديّ والنفسيّ أمراً اعتياديّاً، واختبار ردود الفعل الدوليّة في كلّ مرحلة.
تضيف الحرب في الشرق الأوسط بعداً جديداً لهذا المشهد، فهي تضغط على خطوط الطاقة والتجارة العالميّة، وهي نقاط حسّاسة بالنسبة لتايوان. وهنا تحاول بكين تحويل الأزمة إلى ورقة ضغط سياسيّة، عبر الإيحاء بأنّ الاستقرار قد يكون مرتبطاً بإعادة ترتيب العلاقة مع الصين.
لكنّ مثل هذه الاستراتيجية تحتاج دائماً إلى لحظة مفصليّة: إلى شرارة. قد تكون هذه الشرارة خطوة سياسيّة في تايبيه تُفسَّر في بكين كإعلان استقلال فعليّ. وقد تكون شعوراً صينيّاً بأنّ الردع الأميركيّ تراجع، وأنّ كلفة التحرّك باتت أقلّ. وقد تكون ببساطة حادثاً عسكريّاً يخرج عن السيطرة في مضيق مزدحم بالتوتّر.
في كلّ هذه الحالات، يصبح التصعيد سريعاً… وربّما غير قابل للاحتواء.
أمّا واشنطن فستجد نفسها أمام اختبار مباشر. سيكون الردّ الأوّل على الأرجح عسكريّاً عبر تعزيز الوجود في المنطقة. ثمّ يأتي العمل مع الحلفاء، خصوصاً في آسيا. وبعدها، أدوات الضغط الاقتصاديّ التي قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالميّ بأكمله.
سيبقى السؤال الأهمّ معلّقاً: هل تتدخّل الولايات المتّحدة عسكريّاً إذا تجاوزت الصين مرحلة الضغط إلى الغزو؟
هذا هو جوهر الردع، وهذا هو جوهر المخاطرة. الخطر الحقيقيّ اليوم ليس في قرار مفاجئ بالغزو، بل في مسار تصعيد تدريجيّ قد يخلق واقعاً جديداً من دون إعلان حرب، تصعيد يختبر الجميع، تصعيد يراكم الضغوط، تصعيد قد يصل إلى نقطة يصبح فيها التراجع أصعب من المواجهة. ربّما لا تبدأ الحرب على تايوان بإنزال عسكريّ بل بلحظة يقتنع فيها الجميع أن لا أحد مستعدّ لمنعها.
موفّق حرب- أساس ميديا
×