ليس جديدًا القول إن مضيق هرمز هو أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فحوالي خُمس النفط العالمي يمرّ عبره يوميًا، ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي. لكن الجديد اليوم ليس في أهميته الجغرافية، بل في طريقة تعاطي العالم مع التوترات فيه والانقسام الواضح حول من يتحمّل المسؤولية.
في كل مرّة تتصاعد فيها الأحداث في المضيق، ينقسم المشهد الدولي بسرعة إلى فريق يتّهم إيران بمحاولة فرض نفوذها وتهديد حرية الملاحة، مستندًا إلى حوادث احتجاز سفن أو مضايقتها. وفريق آخر يرى أن الولايات المتحدة هي من تؤجّج التوتر، عبر حضورها العسكري المكثف وسياسة "الضغط الأقصى" التي تدفع كامل المنطقة نحو حافة الانفجار.
هذا الانقسام لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى عجز دولي واضح عن إنتاج رواية موحّدة. فحتى الحلفاء التقليديون لواشنطن، لم يعودوا جبهة واحدة، إذ أن الأوروبيون يفضّلون التفاوض، دول الخليج تدعم الضغط لكنها تخشى نتائجه، فيما تلتزم دول آسيوية الصمت الحذر حفاظًا على إمدادات الطاقة. بنفس الوقت التي تحاول القوى الأخرى، كالصين وروسيا، استثمار هذا التباين لتعزيز حضورها في المنطقة.
الجديد أيضًا هو أن مضيق هرمز لم يعد فقط ممرًا للطاقة، بل أصبح ساحة اختبار لتوازنات عالمية متغيّرة.
فأي حادث أمني فيه لا يُقرأ بمعزل عن صراع أوسع، إن كان على النفوذ، على طرق التجارة وعلى شكل النظام الدولي نفسه.
أما الإحراج الأكبر، فيكمن في أن الجميع يدرك خطورة التصعيد، لكن لا أحد يملك أو ربما لا يريد فرض تهدئة حقيقية.
ولنبسط الفكرة أمام القارئ فالنتخيّل مضيق هرمز عبارة عن خشبة مسرح، يقف عليها ممثلون من الصف الأول: أوروبا، سيدة Rafine متوترة، ترتدي بدلة رسمية متقنة وتتحرك برشاقة، تحاول بحكمتها وموقعها الأرستقراطي الموازنة بين الضغط الأمريكي والحاجة إلى النفط.
آسيا، الشابة الحكيمة والهادئة، عينيها مركّزة على الممر البحري، تراقب بصمت كل حركة، تحسب خطواتها بدقة وتهتم أولًا بإمدادات الطاقة دون أن تصدر أي موقف صريح.
الولايات المتحدة، الممثلة القوية والمهيمنة، ترتدي زيًا رسميًا متألقًا، تصرّ على فرض قواعد اللعبة، تلوّح بيدها وتلقي اللوم على إيران بصوت عالٍ، متباهيةً بسيطرتها السابقة على المسرح الدولي.
إيران، الشخصية المتمردة والجريئة، تدخل المسرح بخطوات ثابتة، ترفع رايتها وتردّ بقوة، متهمة واشنطن بالتصعيد ومحاولة السيطرة على الممر.
دول الخليج، التوأم الحذر، تتأرجح بين دعم الضغط الأمريكي وخوفها من تداعيات أي مواجهة، يلوّح كل منها بإشارة توازن، وكأنهما يحاولان السير على حافة الحبال.
وهنا بيت القصيد فالدول تريد أن يمر النفط بأمان لكن لا أحد يريد أن يتحمل كلفة المواجهة أو يتخذ موقف واضح وحاسم... وهكذا تحول مضيق هرمز إلى مساحة عجز دولي أكثر من مساحة تعاون.
في هذا المشهد، يبدو مضيق هرمز وكأنه مرآة تعكس هشاشة النظام الدولي، إتهامات متبادلة، تحالفات مترددة وغياب واضح لمرجعية قادرة على ضبط الإيقاع.
وبالنظر إلى التحولات الاستراتيجية غير المباشرة، يظهر مضيق هرمز اليوم ليس فقط كممر نفطي، بل كمسرح لصراعات اقتصادية، دبلوماسية واستراتيجية. أما التحركات الصينية والروسية، إلى جانب الحروب الاقتصادية غير المباشرة على إيران، تشير إلى أن النفوذ في المنطقة لن يُقاس بعد الآن بالقوة العسكرية فقط، بل بقدرة كل لاعب على التحكم بالأسواق والموارد وتشكيل تحالفات غير مباشرة.
من الواضح أن الجمهور يرى المرحلة المقبلة عبارة عن استمرار التوتر، لكنه قد يغفل أنها ستكون ضمن أطر أكثر تعقيدًا واستراتيجية.