عاجل:

عندما تلتقي معتقدات الأضداد لتشعل الحروب!

  • ٤٢
كَتَبَ رامي الأحمدية

اقتربت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من أسبوعها الرابع، وما لبث كل طرف أن يعلن النصر على طريقته؛ فترامب يعلن نصراً عسكرياً كاملاً يفتح له باب المفاوضات وفقاً للشروط الأميركية على إيران، في حين تتناقل وسائل الإعلام عن المسؤولين الإيرانيين أنهم لا يسعون لوقف الحرب الآن، وقد تقبل القيادة الإيرانية باتفاق وفقاً لاشتراطاتها.

في حين تبدو إسرائيل الأكثر سعياً إلى إكمال الحرب حتى إحداث تغيير جذري على الأرض، قد يفسرها ما استحضره رئيس حكومة إسرائيل "نتنياهو" عدة مرّات عن تحقيق "نبوءة إشعياء" وصراع "النور والظلام"، التي تتحدث عن خلاص بني إسرائيل وانتصارهم النهائي على أعدائهم بعد فترة حروب عظيمة وآلام تسبق ظهور المخلص وتأسيس "مملكة الله"؛ أو حديثه: "اذكر ما فعله بك عماليق" عند إعلان بدء حرب غزة، فعماليق في البعد اللاهوتي التوراتي هو العدو الأزلي لبني إسرائيل الذي يجب إبادته تماماً من رجال ونساء وأطفال.

كيف يجمع المعتقد الديني المتصارعين في الحرب القائمة على ضرورة وقوعها؟ وهل هي دينية عقائدية أم سياسية؟

تختلف أفكار ومعتقدات الصهيونية اليهودية الحاكمة في إسرائيل عن الأرثوذكسية اليهودية بأن بشراً عادياً منتظراً سيظهر ليكون قائداً سياسياً وعسكرياً من نسل الملك داوود يدعى "المشياح" أو المسيح. فبعكس اليهودية الأرثوذكسية الذين يؤمنون بظهوره في أي لحظة، ويعارض بعضهم قيام دولة إسرائيل لما يرونه استعجالاً للنهاية وبأن الدولة يجب أن تقوم على يد المسيح المنتظر، تعتبر الصهيونية أنه يتعين قبل ظهوره أن تمر البشرية بمرحلة تعرف بـ "أهوال المسيح"، ومن شروط ظهوره عندهم:

• إعادة بناء هيكل سليمان.
• إنهاء الشتات اليهودي وإقامة دولة يهودية قوية تحكم بالشريعة.
• السلام العالمي، بعد حروب طاحنة وصراع كوني يُعرف بحرب "يأجوج ومأجوج".
• المعرفة الإلهية التي تأتي بعد انهيار أخلاقي واقتصادي.

كما تختلف معتقدات المسيحية الصهيونية عن باقي المعتقدات المسيحية المتعلقة بعودة المسيح؛ فالمسيحية التقليدية، كاثوليك وأرثوذكس، ترى أن المجيء الثاني للمخلص سيكون فجائياً ويعتمد على الصلاة والتقوى، بينما ترى المسيحية الصهيونية، المنتشرة والمسيطرة في الولايات المتحدة الأميركية بشكل أساسي، وبعض الدول الأقل تأثيراً بشكل أقل، أن الظهور الثاني للمسيح يتطلب:
• عودة دولة إسرائيل كدولة جغرافية وسياسية لكي يفي الله بوعده.

• ارتباط العودة بجدول زمني سياسي، ودعم دولة إسرائيل هو فعل إيماني يمهد الطريق لعودة المسيح.
• تبنّي نظرية "هرمجدون Armageddon"، وهي حرب عسكرية حقيقية تقع في أرض فلسطين.
• بناء الهيكل الثالث في القدس مكان المسجد الأقصى.
• تجمع اليهود في فلسطين ضرورة لنبوءة جماعية وتحولهم إلى المسيحية لاحقاً.

لا تختلف رواية "ولاية الفقيه" كثيراً عن النبوءات الصهيونية والمسيحية الصهيونية من حيث العناوين الكبرى حول "التمهيد للخلاص" و"الملحمة الفاصلة"، لكنها تعاكسها في التفاصيل. فبينما تتمسك المرجعيات الشيعية التقليدية في النجف وقم بفكرة "الانتظار الهادئ" لظهور المهدي وأن أي سلطة سياسية قبل ظهوره هي "راية ضلال"، جاءت نظرية ولاية الفقيه لتعتمد على التالي:

• امتلاك الولي الفقيه صلاحيات واسعة تشبه صلاحيات الإمام في إدارة شؤون المجتمع السياسية والعسكرية.
• إقامة دولة إسلامية قوية هي واجب شرعي للتمهيد لظهور المهدي.
• الظهور ليس مجرد حدث غيبي مفاجئ، بل هو نتيجة لجهد بشري وتنظيمي.
• القوة العسكرية والتمدد الإقليمي خطوات ضرورية لـ "نصرة" الإمام عند خروجه.
• محور المقاومة والتوسع في المنطقة هو "الجيش الممهد" قبل الظهور.

ترتبط معركة تحرير القدس في الخطاب الإيراني بمعركة المهدي الأخيرة. ويكتسب "فيلق القدس" هذه الرمزية، حيث تُفهم عملياته الإقليمية كجزء من مسار يسبق "الملحمة الكبرى" بين قوى الحق وقوى الاستكبار، في التقاء لافت بين عقيدة الصدام الإلهي في إيران وبين مفهوم "هرمجدون Armageddon" في المسيحية الصهيونية.

نحن أمام مشهد فريد في التاريخ المعاصر، حيث تتحول "النبوءات الدينية" من نصوص دينية إلى صواريخ حقيقية على الأرض، ما يخلق ما يصح تسميته بـ "الجيوسياسية المقدسة". وعلى الرغم من العداء المطلق، يشترك الطرفان في منطق جيوسياسي واحد قائم على رفض الدولة القومية واعتبار الحدود القائمة بين الدول اليوم مؤقتة أو مصطنعة، وأن الحدود الحقيقية هي حدود "العقيدة". كما يؤمن الطرفان بحتمية الصدام؛ إذ أن الجغرافيا الحالية ضيقة ولا تتسع للاثنين، فإما "إسرائيل الكبرى" وإما "محور المقاومة الممتد"، ما يجعل الدبلوماسية مجرد هدنة مؤقتة والحروب قدراً محتوماً.
وتبقى القدس في النظريتين مدينة متنازعاً عليها، ومحور الكون في الجيوسياسية الدينية، والسيطرة عليها تعني انتصار الرواية الدينية لأحد الطرفين على الآخر بهدف تحقيق النبوءة وفقاً لنظرية كل طرف من الأطراف المتصارعة. ليخدم الصراع الديني القائم "البراغماتية السياسية" التي تستخدم الدين كغطاء لتبرير التوسع، وليبقى الانسان هو الخاسر الأكبر بين الدين والسياسة.
المنشورات ذات الصلة