في بلدٍ يعيش على حافة الاحتمالات المفتوحة، إلى أي عمق سننحدر قبل أن يبدأ الصعود؟ فلبنان اليوم لا يقف أمام أزمة اقتصادية تقليدية، بل أمام طبقات متراكمة من الضغط المالي والاجتماعي والسياسي، تتشابك مع الحرب وكلفتها المفتوحة، ومع إصلاحات لم تبدأ بعد.
في قراءة صريحة للوضع لإيست نيوز، يقدّم مدير مكتب المشرق للشؤون الاستراتيجية والخبير الاقتصادي الدكتور سامي نادر تشخيصاً قاسياً" نحن أمام ثلاث صدمات اقتصادية متزامنة"، وكل واحدة منها كفيلة وحدها بإرباك أي اقتصاد هشّ.
والمشهد الإقتصادي يبدأ من الحرب، والكلفة لا تقاس فقط بحجم الدمار المباشر، بل بما هو أخطر فيقول نادر إن "الإطباق على القدرة الإنتاجية تعني انكماشًا إضافيًا في إقتصاد بالكاد يتنفس. وكلفة إعادة الإعمار وحدها تقدّر بالمليارات، والمشكلة أنها تكبر يوميًا". أي أن الفاتورة ليست ثابتة، بل تتضخم مع التصعيد.
لكن الحرب ليست العامل الوحيد... فالصدمة عالمية لكن بتكلفة لبنانية مضاعفة. وهنا يشير الدكتور سامي نادر إلى ان "ارتفاع أسعار النفط عالميًا يعني ببساطة ارتفاع فاتورة الطاقة محليًا بنسبة قد تصل إلى 40%. وهذا لا ينعكس فقط على الكهرباء والمحروقات بل ينسحب على كلفة الإنتاج، أسعار الغذاء والأسمدة والقدرة الشرائية للمواطن".
قد تبدو أنها أزمة عالمية لكن في لبنان تتحول إلى أزمة أشدّ، بسبب "العجز المزمن في الميزان التجاري"، أي أن البلد يستورد معظم احتياجاته ويدفع ثمن ارتفاع الأسعار بالدولار النقدي. وها هي الحلقة المفرغة اتدور حول: اسعار مرتفعة، قدرة شرائية تنخفض، إقتصاد ينكمش وضغط إجتماعي يتصاعد.
أمّا العامل الثالث وربما الأخطر فهو الغياب الكامل للإصلاحات. والتشاؤم الذي يعبر عنه د. سامي نادر ليس تفصيلاً، بل نتيجة مسار واضح "لا إصلاحات مالية، لا معالجة للفجوة المالية ولا إعادة هيكلة حقيقية للقطاع المصرفي".
وبالنسبة للدولار فالقراءة التقليدية تقول إن سعر الصرف مستقر، لكن الواقع أكثر تعقيداً.
فبحسب نادر، "استقرار الدولار لا يقوم على قاعدة العرض والطلب الطبيعية، بل على تدخل مصرف لبنان عبر الاحتياطي الذي يقدَّر بنحو 11 مليار دولار، إضافة إلى توقفه منذ فترة عن تمويل عجز الخزينة". بمعنى أوضح فالاستقرار قائم لأن مصرف لبنان لم يعد ينفق كما في السابق.
ويطرح الخبير الإقتصادي سؤال حول "مدى استطاعت المصرف المركزي الاستمرار في هذا النهج، مع تصاعد الضغط الاجتماعي وارتفاع مطالب الدعم والبرامج الاجتماعية؟" مضيفًا أنه "إذا عجز مصرف لبنان عن تمويل أي برنامج اجتماعي أو تلبية طلبات الحكومة، فإن السيناريو الذي نخشاه سيصبح وارداً ألا وهو انهيار كامل في سعر الصرف".
وفي خضم هذا المشهد القاتم، يبرز مساران يعتبرهما نادر الأكثر إلحاحاً: "الأول يتمثل في معالجة الفجوة المالية وإصلاح القطاع المصرفي. والثاني هو الذي يقول أنه بدون قطاع مصرفي فعّال، لا تمويل، ولا استثمار، ولا نمو".
وإعادة تشغيل الحد الأدنى من التمويل للقطاع الإنتاجي بات شرطاً لبقاء الاقتصاد. وهم "مفتاح المساعدات الدولية، المساعدات للبنان التي لم تتوقف بسبب الأرقام فقط، بل بسبب السياسة أيضاً والاستمرار في خطوات الدولة نحو حصرية السلاح بات يُنظر إليه دولياً كمفتاح أساسي لإطلاق الدعم".
وهنا يتداخل الاقتصادي بالسياسي بشكل مباشر. فلا مساعدات بلا ثقة، ولا ثقة بلا إصلاح، ولا إصلاح بلا قرار سياسي.
لبنان يقف اليوم بين مسارين واضحين، استمرار الضغوط من حرب، تضخم عالمي وغياب الإصلاح الذي يؤدّي إلى انهيار محتمل. أو مسار إصلاحي يفتح باب التمويل والمساعدات فيجلب فرصة إنقاذ تدريجية.
لكن الوقت لم يعد مفتوحاً. والسؤال لم يعد إن كان الخطر قادماً… بل متى.
×