أفادت صحيفة "الرياض" السعودية بأن "المشكلة مع إيران ليست، كما يحلو للبعض تبسيطها، في ملفها النووي وحده، ولا في سباق التسلح الذي تتقنه طهران كأداة تفاوض أكثر من كونه غاية نهائية".
وأوضحت أن "المشكلة أعمق من ذلك بكثير، أنها مشكلة مشروع، مشروع متكامل الأركان، ممتد الجذور، يتغذى على فكرة أيديولوجية ترى في المنطقة العربية ساحة نفوذ تاريخي تجب استعادته، لا جغرافيا سياسية يجب التعايش معها".
ورأت أنه "على مدى عقود، وتحديداً منذ قيام الجمهورية الإسلامية، عملت طهران بصبر استراتيجي يمكن تشبيهه بحياكة السجاد: خيوط دقيقة، بطيئة، لكنها متصلة، هدفها النهائي تطويق الخليج العربي. لم يكن ذلك عبر القوة الصلبة المباشرة فقط، بل عبر أدوات متعددة، أبرزها توظيف الشعارات الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كغطاء أخلاقي وسياسي للتوسع. لكن الحقيقة التي لم تعد خافية، أن "تصدير الثورة" لم يكن إلا اسماً آخر لتمدد النفوذ خارج الحدود، وأن فلسطين، في الخطاب الإيراني، تحولت إلى ورقة أكثر منها قضية".
وأوضحت أنه "لم تبنِ إيران حضورها في المنطقة عبر الثقافة أو الاقتصاد أو حتى الدبلوماسية التقليدية، بل عبر الأذرع المسلحة، والميليشيات العابرة للحدود، ونشر الفوضى كأداة لإعادة تشكيل الواقع. ولعل تباهيها يوماً بالسيطرة على أربع عواصم عربية لم يكن زلة لسان، بل تعبيراً صريحاً عن طبيعة هذا المشروع".
ورأت أنه "حين أعلن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما التوصل إلى الاتفاق النووي مع طهران، لم يكن القلق العربي نابعاً من رفض السلام أو التفاهم، بل من إدراك أن المشكلة ليست في النووي وحده. كان هناك شعور عميق أن العالم يتجاهل جوهر الأزمة، ويختزلها في أجهزة الطرد المركزي، بينما الحقيقة تكمن في السلوك الإقليمي لإيران، وفي عدائها التاريخي للعرب. لم يكن العرب دعاة حرب، بل كانوا شهوداً على مشروع يتمدد تحت سمع وبصر العالم".
وأضافت "اليوم، تتقاطع مصالح الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، مع مصالح دول المنطقة في مواجهة إيران، لكن هذا التقاطع لا يجب أن يُفهم باعتباره تبعية، بل قراءة واقعية لمشهد تتداخل فيه المصالح. فإيران، في جوهر مشروعها، لا تستهدف واشنطن فقط، بل ترى في المنطقة العربية ساحة مركزية لنفوذها".
وأوضحت أنه "في هذا السياق، تأتي تصريحات وزير الخارجية الإيراني الأخيرة لتكشف حجم التناقض في الخطاب الإيراني. الحديث عن أن الحرب كانت "نقطة ذهبية" منعت قوتين نوويتين من تحقيق أهدافهما، يتناقض مع خطاب الضحية الذي تحاول طهران تسويقه. والادعاء بعدم العداء لدول المنطقة، وأن الاستهداف يقتصر على القواعد الأميركية، هو تبسيط مخل، بل تضليل متعمد"، مشيرة إلى أنه "أي متابع واعٍ يدرك أن استهداف دول الخليج لم يبدأ مع وجود القواعد الأميركية، بل سبقها بعقود. التاريخ لا يمكن محوه أو إعادة كتابته وفق الحاجة السياسية. منذ الثمانينيات، كانت دول الخليج هدفاً مباشراً لعمليات إرهابية وهجمات منظمة مرتبطة بإيران".
وأشارت إلى أنه "في عام 1981، شهدت البحرين محاولة انقلاب مدعومة من طهران. وفي 1983، تعرضت الكويت لسلسلة تفجيرات متزامنة استهدفت منشآت حيوية. وفي العام التالي، لم تسلم ناقلات النفط السعودية والكويتية من الهجمات الإيرانية. أما اختطاف طائرة الجابرية، ومحاولة اغتيال أمير الكويت، وتفجيرات المقاهي، فكانت شواهد إضافية على نمط من السلوك لا يمكن تفسيره بوجود قواعد أجنبية".
وتابعت: "في السعودية، لم يكن المشهد مختلفاً؛ من ضبط متفجرات بحوزة حجاج إيرانيين في مطار جدة، إلى أحداث الشغب في الحج عام 1987 التي أودت بحياة المئات، وصولاً إلى تأسيس ما عُرف بـ"حزب الله الحجاز" بدعم إيراني، واقتحام السفارة السعودية في طهران، واستهداف الدبلوماسيين، ومحاولات إدخال متفجرات إلى محيط الحرم".
وأوضحت أن "كل هذه الأحداث وقعت قبل أن تُدشَّن أول قاعدة أميركية في الخليج عام 1991. هذه الحقيقة وحدها كفيلة بإسقاط الرواية الإيرانية التي تربط عداءها بوجود عسكري أجنبي. فالمشكلة ليست في القواعد، بل في عقيدة سياسية ترى في المنطقة مجالاً حيوياً للنفوذ، أما الحديث عن مضيق هرمز، ومحاولة تصويره كأداة انتصار، فهو امتداد للنهج ذاته: تحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط، والاقتصاد العالمي إلى رهينة في لعبة سياسية. لكن الحقيقة أن استقرار هذا الممر الحيوي ليس شأناً إيرانياً، بل مسؤولية دولية، وأي محاولة لاحتكاره أو التحكم فيه ستقود إلى مزيد من التوتر، لا إلى "هزيمة العدو" كما يُروَّج".
واعتبرت أنه "في النهاية، لا يمكن اختزال الأزمة مع إيران في ظرف سياسي عابر، أو ربطها بوجود عسكري هنا أو هناك.. نحن أمام مشروع ممتد، له جذور أيديولوجية وتاريخية، يتطلب قراءة واعية، وموقفاً واضحاً.. فالتاريخ لا يُنسى، والجغرافيا لا تُعاد كتابتها بالشعارات، والأمن لا يُبنى على حسن النيات".