عاجل:

هآرتس: مقابل الولايات المتحدة التي انسحبت دون خطة ايران تخطط لنظام إقليمي جديد

  • ٢٥

بقلم: تسفي برئيل

سارع المجلس الاعلى للامن القومي في ايران الى نشر بيان صباح أمس، اعلن فيه “النصر الكامل” في الحرب التي استمرت لخمسة اسابيع. وجاء في هذا البيان بأن “العدو، في الحرب الجبانة وغير الشرعية والاجرامية ضد الشعب الايراني، مني بهزيمة تاريخية ساحقة لا يمكن نفيها”. البيان المطول، الذي شكر فيه النظام “الشعب الايراني” وكل وكلائه في العراق واليمن ولبنان وفلسطين، فسر جوهر هذا النصر، الذي تجلى في خطة تشمل “التزام الولايات المتحدة المبدئي بضمان عدم الاعتداء، استمرار مراقبة ايران لمضيق هرمز، الموافقة على تخصيب اليورانيوم، رفع كل العقوبات الاولية والثانوية، الغاء قرارات مجلس الامن والوكالة الدولية للطاقة النووية، دفع تعويضات لايران عن الاضرار، انسحاب كل القوات القتالية الاميركية من المنطقة، وقف اطلاق النار في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان”.

من المفروض أن تكون هذه رزمة انجازات هامة لايران، تتجاوز بكثير هدف تثبيت وقف اطلاق النار وفتح مضيق هرمز امام الملاحة.

اليوم الجمعة، عندما ستبدأ المحادثات بين الوفد الايراني والوفد الأميركي في اسلام أباد – غير معروف حتى الان اذا كانت ستكون مباشرة – ستتبين دقة البيان الايراني. مع ذلك يمكن استنتاج ما يلي: الولايات المتحدة دخلت الحرب مع اهداف ولكن بدون خطة استراتيجية لتحقيق هذه الاهداف وانهاء الحرب. وقد تفاجأت بانهيار الفرضيات الاساسية التي استندت اليها خطتها الحربية. أما ايران فتطرح خطة طموحة. من الان فصاعدا لا يقتصر هدفها على ازالة خطر “تدمير الحضارة الايرانية” وتنظيم الملاحة، بل تسعى الى ترسيخ خارطة جديدة للسيطرة الاقليمية ونظام امني يعطيها مكانة القوة العظمى.

لقد ادت الحرب بين الولايات المتحدة واسرائيل وبين ايران، التي اندلعت بدون تحالف دولي واسع وفي ظل غياب واضح لدول الخليج، الضحية المباشرة والرئيسية لهذه الحملة، الى حرب اقليمية وعالمية تقريبا، استبدل فيها التهديد النووي بالتهديد الاقتصادي. وقد قوضت ايران موقف الردع الامريكي الذي بدأ بالهجمات الجوية الكثيفة في 28 شباط، والاغتيال الجماعي للقيادة العليا في طهران، والتهديد بتدمير البنى التحتية في ايران. وقد نجحت ايران في استغلال موقعها الجغرافي المتميز على مدخل الخليج الفارسي، وسيطرتها على شريان الطاقة العالمي – مباشرة في مضيق هرمز، وبشكل غير مباشر في مضيق باب المندب – وتحويلها بسرعة الى سلاح سياسي قوي.

ايران اوضحت بان الحرب ضدها تعني مواجهة شبكة عوامل معقدة، بعضها مالوف مثل الوكلاء في العراق ولبنان واليمن، والبعض الآخر كان متوقع ولكنه فاجأ الولايات المتحدة، مثل ضعف دول الخليج وحساسيتها السياسية والاقتصادية. ايران تؤمن بانها اثبتت لدول الخليج بان اعتمادها على حزام الدفاع الامريكي لا يحميها من الاضرار بمصالحها الاقتصادية. واوضحت بان دول الخليج، وليس اسرائيل، هي التي تخدمها كوسيلة ناجعة لاحتواء التصعيد الأميركي. وقد بنت ايران توازن يقوم على الترهيب. فحتى التهديد بتدمير محطات توليد الطاقة التابعة لها تحول في دول الخليج الى الخوف من ان تقوم طهران بمهاجمة محطات تحلية المياه التي تؤمن لها حوالي 90 في المئة من استهلاك المياه. وقد ساعد هذا ايران على تمهيد الطريق لوقف اطلاق النار، ومن الان فصاعدا قد ترسخ أداة الضغط هذه النظام الجديد الذي تطمح اليه. وبالنظر الى اعلان مجلس الامن القومي في ايران، يبدو ان ايران لا تُعد للتفاوض على ترتيبات الاستسلام، بل لترسيخ ما تعرفه بانه نصرها على المدى البعيد.

لكن ايران الان قادرة على فحص الموضوع النووي من منظار استراتيجي جديد. فهي تعتبر اتفاق وقف اطلاق النار انتصار. فمن ناحيتها الضغط الشديد الذي استخدمته على شريان الطاقة في الخليج الفارسي، قد يمكنها من تحقيق مكاسب في المجال النووي ايضا، وردع الولايات المتحدة واسرائيل عن مهاجمتها في المستقبل على الاقل. في السابق استخدمت ايران البرنامج النووي كورقة ضغط لرفع العقوبات الاقتصادية وأدى ذلك الى التوقيع على الاتفاق النووي. وعندما انسحب ترامب من الاتفاق استمرت ايران في الالتزام به، بل وسعت في اوروبا الى امكانية انشاء آلية تجاوز اميركية تمدد مدة الاتفاق وتمنحها المزايا الاقتصادية المنصوص عليها فيه.

في العام 2019 فقط، أي بعد سنة على انسحاب ترامب من الاتفاق، بدأت ايران تخرق الاتفاق بالتدريج. ومع ذلك حرصت على التاكيد بانها ستتراجع عن خرقها وستعود الى بنود الاتفاق الاصلي في حالة رفع العقوبات. الآن، بعد ان وضعت ايران امام تهديد وجودي، الذي تدعي انه ما زال موجودا، قد تكون اعتباراتها مختلفة. فضرورة امتلاك السلاح النووي، أو على الاقل اثبات القدرة على تطويره، حتى لو امتنعت عن ذلك بالفعل، ستحدد موقفها في المفاوضات من أي اتفاق جديد، وقد تحدد مصير المفاوضات الحالية.

قد تعاني الولايات المتحدة ايضا من الطموح المفرط نفسه، وترغب في تحقيق اكثر مما تريد ايران أو تستطيع تقديمه. بالتالي، مثلا قد تواجه مقاومة اشد من ايران لطلب الحد من تطوير الصواريخ البالستية. فبالنسبة لطهران تحولت الصواريخ من سلاح ردع الى اداة سياسية حيوية، عندما وجهت لمنطقة الخليج الحساسة. حتى الآن قدمت ايران تخصيب اليورانيوم على اراضيها كحق سيادي لها بموجب توقيعها على معاهدة عدم نشر السلاح النووي. أما الصواريخ، قد تجادل ايران الان بان لها دور اكثر اهمية بالنسبة لها: ليس حق سيادي بل ضرورة وجودية.

وينطبق نفس الامر على طلب قطع العلاقات بين ايران ووكلائها، الامر الذي يعني ليس فقط تجفيف مصادر التمويل والسلاح لها، بل ايضا قطع نفوذ طهران في دول المنطقة. اضافة الى هذه المسائل الاساسية سيتطلب الامر قدر كبير من “المرونة البطولية”، مثلما وصفها خامنئي الاب، من جانب الولايات المتحدة وايران، لتجاوز الصعوبات التقنية المتعلقة بمجموعة قضايا مختلفة، مثل الرقابة على المنشآت النووية وترتيبات الملاحة في الخليج والجدول الزمني لرفع العقوبات وضمانات عدم الاعتداء.

يصعب تخيل ان اسبوعين كافيين من اجل التوصل الى اتفاق شامل وموقع يوفر حل لكل هذه القضايا. ولكن، كما المح الاقتراح الباكستاني، قد يكون الاسبوعين هما مجرد اجراء شكلي. ففي حين “يمكن لايران ان تبدأ في التعافي”، كما اقترح ترامب بسخاء، الولايات المتحدة ودول المنطقة بحاجة ايضا الى فترة تعافي.

المنشورات ذات الصلة