عاجل:

حرب تتسع بلا ضوابط… ولبنان يقترب من حافة الانهيار الشامل

  • ٤٤
لم يعد المشهد في لبنان يُقاس بمعايير التصعيد التقليدي أو جولات المواجهة المحدودة، بل تجاوز ذلك إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، حيث تتحول الغارات المتتالية إلى عنصر ثابت في يوميات بلد يعيش تحت ضغط حرب مفتوحة تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع النسيج المدني. خلال فترة قصيرة، شهد لبنان موجة غير مسبوقة من الغارات تجاوزت المئة في يوم واحد، استهدفت في معظمها مناطق مأهولة، وخلّفت دمارًا واسعًا في الأحياء السكنية وسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، في مشهد يعكس انتقالًا واضحًا من الاستهدافات المحدودة إلى نمط أكثر اتساعًا وعمقًا في التأثير. وبينما يتصاعد الدخان فوق المدن، تتقدّم الأسئلة الكبرى حول طبيعة هذه الحرب، وحدودها الفعلية، وما إذا كانت لا تزال ضمن قواعد اشتباك معروفة، أم أنها دخلت مرحلة إعادة تشكيل الواقع اللبناني ميدانيًا وسياسيًا على حد سواء، بما يهدد ليس فقط الاستقرار الأمني، بل أيضًا التوازنات الداخلية.

في قلب هذا المشهد، تبرز مسألة استهداف المدنيين كواحدة من أكثر النقاط حساسية وخطورة. إذ تقول الدكتورة لور أبي خليل، دكتورة في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، إن هذه الضربات أصابت أهدافًا مدنية بشكل مباشر. فقد أظهرت الأضرار، وفق ما أعلنته وزارة الصحة، سقوط عدد كبير من الضحايا من النساء والأطفال وكبار السن. كما أنّ المنازل التي استُهدفت قد دُمّرت بالكامل، وانهارت على من فيها من المدنيين داخل بيوتهم. وتضيف أن ذلك يدلّ بوضوح على أنّ هذه الضربات طالت أعيانًا مدنية، مما يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يفرض، ضمن مبادئه الأساسية، ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية.

هذا التوصيف لا يقف عند حدود الإدانة الأخلاقية، بل يتجاوزها إلى البعد القانوني. فبحسب أبي خليل، لا يكفي الادعاء بأن الهدف عسكري، كما يزعم الطرف المعتدي، إذ لم يتم احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات، وهي من الركائز الأساسية في القانون الدولي الإنساني، ما يضع هذه الضربات في خانة شبهة انتهاك خطير لهذه المبادئ.

وفي الميدان، لا تبدو الصورة أقل قسوة. المستشفيات تحت ضغط هائل، الإمدادات الطبية تتراجع، ومناطق بأكملها بات الوصول إليها صعباً. تصف أبي خليل الواقع بوضوح قاسٍ،نحن اليوم أمام أزمة إنسانية حقيقية… وهذا يُصنّف كهمجية في الممارسة وانتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني… إنسانيًا: كارثة، وقانونيًا: انتهاك فاضح.

لكن، وبموازاة هذا التصعيد، يبرز سؤال لا يقل خطورة: أين الدولة؟

الإجابة، كما تعكسها الوقائع، ليست مطمئنة. تقول أبي خليل إن الدولة اللبنانية تعاني من هشاشة واضحة، حيث تنتقل من موقع الفعل والتأثير إلى موقع إدارة الأزمات.

أما على المستوى الدولي، فلا يتعدى الموقف حتى الآن حدود البيانات. فقد اقتصر الموقف على الإدانة اللفظية، دون ممارسة ضغط فعلي ومؤثر.

غير أن الخطر لا يقتصر على الخارج، بل يتسلل إلى الداخل اللبناني نفسه. فالحرب، كلما طالت واتسعت، تفتح الباب أمام تصدعات داخلية كامنة. توضح أبي خليل أن الانقسام موجود، لكنه لا يظهر دائماً بشكل واضح، محذّرة من أن توسعه يزداد كلما توسّعت الحرب جغرافيًا وطالت مدتها.
في موازاة ذلك، يفرض الاقتصاد نفسه كضحية إضافية لهذه الحرب. فبعد مؤشرات خجولة على التعافي، يعود الانهيار ليطلّ برأسه. وتشير أبي خليل إلى أن النمو الذي سجّل مؤخراً هش بطبيعته، وأن استمرار الحرب يعني ببساطة صدمة جديدة وطويلة الأمد للاقتصاد اللبناني، في ظل تراجع السياحة والخدمات وارتفاع كلفة المعيشة وتزايد النزوح الداخلي.

أما في ما يتعلق بطبيعة الصراع، ترفض أبي خليل اختزاله بكونه نتيجة قرارات إقليمية مفروضة على لبنان، معتبرة أن المشروع الإسرائيلي بحد ذاته مشروع توسّعي، وأن ما يجري هو مواجهة مع عدو لديه مشروع توسّعي واستيطاني وهدفه رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط ، مضيفة أن لبنان دخل هذا الصراع دفاعًا عن أرضه وقراه وبيوته.
في ظل هذا المشهد المعقّد، تبقى السيناريوهات مفتوحة. من محاولات دبلوماسية غير مباشرة، إلى حرب طويلة، وصولاً إلى احتمال توسّع المواجهة. إلا أن السيناريو الأخطر، كما تحذّر أبي خليل، هو أن يتوسّع الصراع ويُترك لبنان وحيدًا، دون دعم أو حاضنة إقليمية أو دولية، ما يرفع مستوى المخاطر إلى حد غير مسبوق.

هكذا، يقف لبنان اليوم عند تقاطع خطير: حرب مفتوحة على حدوده، ضغط إنساني متصاعد، اقتصاد هش، ودولة تكافح لإدارة الأزمة بدل احتوائها. وبين كل هذه العناصر، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على ما تبقّى من تماسك داخلي، في لحظة يبدو فيها أن النار لم تعد تقتصر على الجبهة… بل باتت تقترب من الداخل نفسه.
المنشورات ذات الصلة