منذ ثلاثة أيام، والبحث مستمر في عين المريسة.
أيدٍ متعبة، وجوه سهرانة، وقلوب معلّقة على معجزة صغيرة، نفسٍ يخرج من تحت الحجر… إشارة حياة تتأخر ولا تأتي.
ثلاث أرواح ما زالت تحت الأنقاض. ثلاث حكايات أصبحت أثقل من الركام نفسه.
الروح الأولى… امرأة اسمها زهراء عبود، من بلدة عنقون الجنوبية. صارت شهيدة قبل أن تُنتشل. اسمها خرج إلى الضوء، لكن جسدها ما زال هناك… ينتظر أن يُعاد إلى التراب بكرامة، لا بغياب.
الروح الثانية… امرأة سورية بلا اسم واضح، ربما هربت من حربٍ في بلادها. ظنّت أن الحدود يمكن أن تُبعد الموت، وأن المسافات قد تمنحها فرصة حياة. لكن الحرب لحقت بها، كأنها تعرف الطريق جيداً. هربت من موتٍ لتصل إلى موتٍ آخر.
أما الروح الثالثة… فهي الأصغر، والأثقل وجعاً. جنين في أحشاء أمه.
طفل لم يرَ الضوء، لكنه عرف العتمة باكراً.
لم يتعلّم الكلام، لكنه سمع الانفجار.
لم يفتح عينيه على العالم، لكنه شعر بخوف أمّه وهي تختنق. بقي في وضعية الجنين… كما لو أنه يحتمي داخل حضنٍ صار فجأة قبراً. توقّف قلبه قبل أن يعرف معنى النبض، وتوقّف قلب أمّه معه.
هكذا تكون الحروب.
ناس تموت.
ناس تنتظر دورها.
ناس تعيش لتبكي من رحلوا.
ونساء وأطفال يتحولون إلى تواريخ تُكتب في الذاكرة “ما حدث في 2026”.
وفي عين المريسة، ما زال الركام يُرفع ببطء… كأن المدينة تخاف أن ترفع آخر حجر، فتتأكد أن المعجزة لم تأتِ.
تصوير عباس سلمان