في مثل هذا اليوم، قبل 51 عاماً، لم يكن لبنان على موعد مع حادث عابر، بل مع لحظة فاصلة غيّرت تاريخه إلى الأبد.
في 13 نيسان 1975، انطلقت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية من حادثة “بوسطة” في عين الرمانة، لتتحوّل إلى واحدة من أكثر الحروب قسوة وتعقيداً في المنطقة.
لم أكن هناك. لم أكن شاهداً، ولا حتى طفلاً يختبئ خلف جدار أو ينتظر هدنة عابرة. في ذلك الزمن، لم يكن أهلي قد التقوا بعد. لكن، رغم ذلك، تبدو تلك الحرب وكأنها جزء من تكويني، كأنها إرث غير مرئي انتقل إلينا نحن الذين جئنا بعدها، نحمله في تفاصيل يومياتنا من دون أن نعي.
13 نيسان لم يعد مُجرّد تاريخ. هو حالة، ظلّ طويل يمتد من الماضي إلى الحاضر، يتسلّل إلى خطابنا السياسي، إلى لغتنا اليومية، وإلى طريقة اختلافنا.
نراه في الانقسام الذي لم يُحسم، في ذاكرة لم تُصالح نفسها، وفي دولة لا تزال تبحث عن تعريف جامع لها.
الحرب التي استمرّت خمسة عشر عاماً لم تنتهِ فعلياً في 1990، بل تغيّرت أشكالها. اختفت المتاريس من الشوارع، لكنها بقيت في النفوس. صمتت البنادق، لكن الخطابات ارتفعت.
تبدّلت أدوات المواجهة، أما منطقها فبقي كما هو: تخوين، وتحريض، واستدعاء دائم للخوف.
ليس صحيحاً أن الحرب تبدأ فقط حين يُطلق الرصاص. أحياناً تبدأ بكلمة، بموقف، بخطاب يُقسّم الناس إلى مُعسكرات متقابلة. تبدأ حين يفشل اللبناني في رؤية الآخر كشريك في الوطن، لا كتهديد.
وما يجعل 13 نيسان أكثر قسوة أنه لم يكن حرب “الآخرين” فقط، بل حرب الجميع.
حربٌ قاتل فيها اللبناني نفسه، وخسر فيها الجميع، حتى أولئك الذين ظنّوا أنهم انتصروا. في النهاية، لم تكن هُناك انتصارات، بل جروح مفتوحة وذاكرة مثقلة.
في هذا اليوم من نيسان 2026، لا تُختصر الذكرى بالحرب فقط، بل بما تبقّى منها في الحاضر. فالسؤال الأكبر يبقى: ماذا تعلّمنا فعلاً؟ هل تحوّلت التجربة إلى وعي يحصّن المجتمع، أم بقيت مُجرّد ذكرى نستعيدها مرّة في السنة ثم نعود إلى المسار نفسه؟
المُفارقة المؤلمة أن كثيراً من مشاهد الانقسام التي سبقت الحرب لا تزال تتكرّر، وإن بأشكال مُختلفة. وكأن الزمن لم يكن كافياً لإقناعنا بأن الطريق نفسه سيقود إلى النتيجة نفسها.
بين حديثٍ عن مُفاوضات وضغوط، وواقعٍ ميداني مُتقلّب، يبدو لبنان مرة جديدة عالقاً بين خيارين: قوة السلام أو السلام بالقوة. وكأننا، بعد كل هذه السنوات، لم نحسم أي طريق نريد.
فالخشية لا تكمن فقط في عودة الحرب بصورتها التقليدية، بل في استمرار مناخها: خطاب متوتّر، ونفوس مشحونة، وانقسام يتغذّى على الأزمات. وكأن “البوسطة” لم تتوقّف يوماً، بل ما زالت تسير، بأشكال مختلفة، على طرقات السياسة والذاكرة معاً.
ومع ذلك، ثمّة ما تغيّر. جيل كامل وُلد بعد الحرب، لم يعشها لكنه يحمل عبء عدم تكرارها. جيل لم يعد يرى في الحرب خياراً، بل كارثة. وربما هذا وحده ما يمنح بعض الأمل.
13 نيسان ليس مُجرّد ذكرى نريد نسيانها، بل درس يجب أن يبقى حاضراً. لأن الخطر لا يكمن في استحضار الماضي، بل في تجاهل معانيه.
فهل أصبحت هذه الذاكرة فعلاً في مكانها الصحيح… أم أننا لم نُغادرها يوماً، وإن تغيّرت أشكالها وبقي جوهرها واحداً؟
×