عاجل:

لبنان بين صمت "مسقط" وضجيج "إسلام آباد": جغرافيا الحروب لا تعرف الحياد

  • ٣٣



من "المطبخ" العُماني إلى "موقد" باكستان.

في الشرق الأوسط، لا تموت المفاوضات على الورق؛ بل تُدفن تحت أنقاض المدن. فشل المسار التفاوضي الأخير لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي عابر، بل كان لحظة الحقيقة التي كشفت أن المنطقة عادت لوجهها القديم، عبارة عن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، لكن هذه المرة بلا أقنعة.

لكي نفهم لماذا يشتعل جنوب لبنان اليوم، علينا فك شيفرة العواصم التي تُصنع فيها القرارات. تاريخياً، ارتبط اسم "مسقط" بدور "المطبخ السري"؛ ففي غرفها الهادئة وُلدت تفاهمات عام 2013 التي أدت للاتفاق النووي. مسقط هي المكان الذي تُقايض فيه طهران واشنطن بلغة الهدوء الميداني مقابل الانفتاح المالي. أما دخول "إسلام آباد" مؤخراً، فهو يعكس "دبلوماسية الأزمات"؛ حيث الحاجة لوسيط نووي ثقيل حين تعجز القنوات التقليدية. فشل التفاهمات في هذه المحطات يعني تعطل لغة الكلام، وبدء "دبلوماسية النقر"؛ وهي الرسائل التي تُكتب بالمسيّرات فوق تلالنا، لتقول ما عجز الدبلوماسيون عن قوله خلف الأبواب المغلقة.

التاريخ يسخر منا حين ننسى دروسه. سقطت الدولة اللبنانية سابقاً حين اختل توازن "نظام القطبين" بين واشنطن وموسكو؛ يومها كان هناك "ضابط إيقاع" دولي يلجم حروب الوكالة. اليوم، نعيش في عالم "تعدد الأقطاب"؛ عالم مائع بلا مرجعية واحدة. الفرق المرعب أن لبنان القرن الماضي كان "ساحة رسائل" لنظام عالمي منضبط، أما اليوم فهو مختبر تجارب لقوى إقليمية تطمح لفرض شروطها في ظل تراجع الهيمنة الدولية. نحن نعيش في "المنطقة الرمادية"؛ الحالة التي لا تمنحك سلاماً تبني عليه، ولا حرباً شاملة تنتهي بمنتصر، بل تبقيك معلقاً بين الحياة والموت.

المفارقة أن لبنان انتقل من خطر "الانفجار الشامل" إلى ما هو أخطر "الاستنزاف المزمن" في الفيزياء، الثقب الأسود يبتلع كل شيء؛ وسياسياً، لبنان يبتلع الوساطات ليحولها إلى سراب. الاستنزاف هو "السرطان" الذي ينهك الجسد؛ شلل سياسي يحول المؤسسات إلى هياكل عظمية، وانهيار نقدي يأكل المدخرات. الخطر الحقيقي هو أن القوى الكبرى قد تجد في "الاستنزاف اللبناني" مصلحة؛ فهو يُبقي الخصوم في حالة دفاع دائم دون الحاجة لتورط دولي مكلف.

عادة ما تنتهي هذه الحروب بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهنا يبرز السؤال الوجود" ماذا حضّر لبنان لهذه الطاولة؟" بينما تصمد إيران في وجه الضغوط وتؤمن "شبكة أمانها" عبر ضمانات من موسكو وبكين، مدركةً أن الوسيط الفعلي هو من يملك ثقلاً يوازن الكفة الأمريكية، يبدو لبنان غارقاً في "دبلوماسية الانتظار". نحن نمتلك نقاط قوة مهدورة؛ تبدأ من التمسك بالشرعية الدولية وتنتهي بالوحدة الوطنية التي ينقصها الجرأة على حسم ملف "حصر السلاح" بيد الدولة لتكون هي المفاوض الوحيد والأصيل.

توسيع "بيكار" القوة اللبنانية يتطلب منا الخروج من عنق الزجاجة التقليدي. فبغض النظر عن الاصطفافات، تبرز روسيا كحلقة مفقودة في محنتنا؛ فهي "ضابط الإيقاع" القادر على التحدث مع جميع الأطراف المتصارعة بوزن حقيقي. الانفتاح على موسكو قد يكون الخطوة المنقذة التي تمنح لبنان مقعداً كشريك في رسم مستقبله، بدلاً من البقاء مجرد " thermomètre" يسخن ويبرد حسب مزاج الغرف البعيدة.

في الخلاصة الغير خالصة ولا مخلصة، إن المفاوضات لم تفشل لنقاط تقنية، بل لأن ثمن السلام في حسابات الكبار لا يزال أغلى من كلفة دمارنا. نحن نعيش في "المنطقة الرمادية"؛ المساحة التي لا تمنحك شرف النهاية، ولا كرامة البداية. لبنان لا ينتظر الحرب.. هو يعيش في قلب نسختها الأكثر خبثاً، وهي حرب تأكلك ببطء كي لا يضطر الأقوياء لدفع ثمن الحل.

المنشورات ذات الصلة