بقلم: موشيه العاد
لبنان هو احدى الدول المعقدة والمتضاربة في الشرق الأوسط، بل وربما في العالم كله. منذ اعلان الاستقلال في العام 1943 وهي تعيش كدولة ذات سيادة ظاهريا، لكن يصعب عليها ممارسة سيادتها عمليا. “بلاد الأرز” تتحرك على مدى ثمانية عقود بين الازدهار والانهيار، بين الانفتاح الثقافي والعنف الطائفي، وبين حلم الدولة المتبلورة وواقع التفكك من الداخل. ليس صدفة ان اللبنانيين يصفون بلادهم بمفارقة مريرة كـ “جنة عدن يسكنها مجانين” – قول ينطوي على فخر عميق بجمال البلاد وباعتراف واع أيضا بالفوضى التي تميز الحياة اليومية فيها.
في قلب لبنان يوجد الفسيفساء الطائفي المركب فيه – مارونيون مسيحيون، مسلمون سُنة وشيعة، دروز وجماعات أخرى ممن يتقاسمون المجال الجغرافي إياه لكن ليس الهوية الوطنية. بدلا من الامتزاج في آتون صهر تصمم في لبنان نظام سياسي يوزع مراكز القوة بين الطوائف المختلفة. رئيس الدولة مسيحي ماروني، رئيس الوزراء مسلم سُني ورئيس البرلمان مسلم شيعي، فيما أن الوظائف العامة هي الأخرى، البرلمان والجيش توزع حسب نسب طائفية واضحة. لقد ولد هذا النظام انطلاقا من محاولة منع سيطرة جماعة واحدة، لكنه عمليا ثبت الهويات الطائفية وحول الدولة الى منظومة توازنات هشة.
في داخل هذا المبنى غرست ميزة عميقة أخرى: حكم السلالات. أسماء عائلات كـ جميل، فرنجية، جنبلاط، شمعون، كرامة وسلام ليست فقط أسماء تاريخية بل مؤسسات سياسية حية تنتقل من جيل الى جيل. السياسة في لبنان ليست فقط صراع فكري بل وأيضا ميراث عائلي تكون فيه القوة، المقدرات والنفوذ تنتقل كالاملاك. المحسوبية تصبح آلية سلطوية، تمنع الإصلاحات، تحفظ النخب القديمة وتبعد الجمهور الغفير عن مراكز اتخاذ القرار. في هذا الواقع ولد القول “الطوائف هي رب البيت والدولة هي مجرد ضيف” – وصف دقيق لسلم الأولويات في لبنان، الولاء الأول فيه هو للطائفة وللعائلة وليس للدولة.
الدستور الخفي
غياب الرسمية يجد تعبيره أيضا في الساحة الأمنية. لبنان لم يخض ابدا تقريبا مواجهة عسكرية كدولة ذات سيادة. بدلا من ذلك عمل من خلال لاعبين آخرين انطلقوا من أراضيه: م.ت. في السبعينيات، سوريا في الثمانينيات ومنذ التسعينيات تنظيم حزب الله المدعوم من ايران. لقد خلق هذا الوضع واقعا تتخذ فيه قرارات الحرب والسلام أحيانا من خارج بيروت بينما السكان المدنيين يتحملون الثمن. هنا أيضا يعكس القول الشعبي الوضع: “في لبنان توجد أسلحة اكثر مما توجد اعلام”.
التاريخ اللبناني مرصوف بمواجهات داخلية هي جزء من نمط متكرر. فمنذ العام 1958 اصطدم المسلمون والمسيحيون حول هوية الدولة، في صدام تطلب تدخل الولايات المتحدة. لكن الحدث الأكثر تأسيسية كان الحرب الاهلية التي نشبت في 1975 واستمرت حتى 1990 – حرب بدأت بصدام بين م.ت.ف والمعسكر الإسلامي وبين المسيحيين، وسرعان ما أصبحت حربا متعددة الساحات، الطوائف والمشاركين الأجانب. في الثمانينيات أصبحت سوريا اللاعب السائد في الدولة، قاتلت اللبنانيين أنفسهم، صفت خصوما سياسيين وأفرغت السيادة من مضمونها. خلفت الحرب وراءها اكثر من 150 الف قتيل، دمار هائل، صدمة عميقة ودرس مركزي: لا منتصرين في مثل هذه الحروب.
من داخل هذه الصدمة ولدت منظومة قواعد غير مكتوبة – “الدستور الخفي” للبنان. القاعدة الأولى والاهم هي غياب الحسم: لا يفترض باي طائفة ان تنتصر تماما. عندما يتعزز طرف ما، على الفور تنشأ آلية توازن. القاعدة الثانية تقول ان مسا خطيرا بطائفة ما لا يبقى بلا رد، لكن الرد يبقى في الغالب في حدود تمنع التدهور العام. أما القاعدة الثالثة فلعلها أكثر تعقيدا: يتذكرون كل شيء لكنهم لا يفتحون شيئا. لا توجد لجان حقيقة، لا توجد محاكمات حرب، لا توجد محاولة للوصول الى حسم تاريخي. الذاكرة تدحر في صالح البقاء المشترك. ومرة أخرى ولد القول الذي يوجز الوضع: “لا يوجد حل – توجد إدارة أزمة”.
الى جانب هذه القواعد توجد خطوط حدود غير رسمي: لكل طائفة توجد مجالات جغرافية تعتبر كمجالات “لها”، حتى لو لم يعلن عن ذلك رسميا؛ لا يوجد إحصاء سكاني منذ 1932، لان الاعداد تعتبر سلاحا سياسيا؛ والجيش اللبناني؟ هذا يعتبر كخط دفاع أخير في وجه الفوضى في الدولة يعد نحو 80 الف جندي ويسمى “جيش الفزاعات”. الفوارق العسكرية – وعلى رأسهم الفرق بين الجيش اللبناني وبين حزب الله – يستقبل كجزء من النظام طالما لا توجه الى الداخل. كل هذا بدأ عندما رفض الغرب جعل جيش لبنان جيشا متقدما خشية أن يتسرب السلاح والعتاد الحديث والسري الى محافل الإرهاب. هكذا أقيم جسم هو نصف ميليشيا ونصف شرطة. اما عسكري فلا. ان آليات بقاء لبنان لا تعتمد فقط على توازنات داخلية بل وأيضا على تدخلات اجنبية دائمة. لبنان هو ساحة نفوذ ايران، السعودية، فرنسا والولايات المتحدة، وكل واحدة منها تؤيد جهات مختلفة داخل الدولة. أي منها ليست معنية بتفكيك تام للبنان بل بالنفوذ عليه. هكذا نشأ استقرار متضارب – دولة تعيش بالذات بفضل تدخل خارجي يمنع حسما داخليا.
الاقتصاد أيضا، رغم انهياره في السنوات الأخيرة شكل على مدى الزمن مصدر وحدة. البنوك، التجارة والخدمات كانت موزعة بين الطوائف وبيروت عملت كمركز اقتصادي مشترك. انهيار مطلق كان سيضر بالجميع وعليه فقد نشأ منطق بقائي مشترك. لكن منذ 2019، مع انهيار العملة والمنظومة المالية، فان هذه الالية أيضا تضعضعت والدولة دخلت الى أزمة عميقة أخرى – أزمة تجسد مرة أخرى كم هي المنظومة هشة.
الامتناع عن الهوة
ومع ذلك، فان لبنان ليس فقط قصة فشل. هو أيضا مركز ثقافي وحضاري استثنائي. المجتمع اللبناني يتميز بتعدد اللغات، بانفتاح نسبي وبثراء ثقافي – صحافة، جامعات، فن وموسيقى. شخصية المغنية فيروز أصبحت رمزا شبه وحيد ينجح في تجاوز الطوائف. اغانيها تسمع في كل بيت وهي تعبر عن توق وهوية ليست سياسية. في لبنان درجوا على القول: “اذا كان ثمة شيء يوحدنا جميعا – فهو فيروز”، قول يجسد كم هو صعب إيجاد رموز مشتركة في هذه الدولة. إضافة الى ذلك، يوجد الشتات اللبناني – ملايين اللبنانيين الذين يعيشون في ارجاء العالم ويواصلون ضخ الأموال، الأفكار والامل. لكن مجرد وجود الشتات يشهد على عمق الازمة على أن الكثيرين يختارون المغادرة لاجل البحث عن استقرار في مكان آخر. ومع ذلك، فانه حتى من غادر يبقي على علاقة عاطفية عميقة بالوطن.
في لبنان لا يوجد “أب مؤسس”، لا توجد رواية تاريخية متفق عليها ولا توجد شخصية تنجح في اجتياز كل الخطوط الطائفية. كل بطل هو أيضا موضع خلاف. وعليه فان لبنان لا يقوم على أساس الوحدة بل على أساس توافق بالحد الأدنى على عدم التفكك.
في نهاية الامر لبنان يبقى بفضل توازن حساس بين الخوف، الذاكرة والمصالح. هذا ليس استقرار ازدهار بل استقرار امتناع عن الهوة. هو ليس دولة متفكك بالمعنى الكلاسيكي لكنه ليس أيضا دولة ميتة. التوازن الهش يصمد منذ عشرات السنين، رغم كل شيء وربما بالذات بسبب كل شيء.
وربما، في نظرة أوسع، لبنان ليس فقط قصصة لبنانية بل مرآة غير مريحة للعالم العربي كله. دول عديدة في المنطقة تكثر من عرض سيماء استقرار، وحدة وسيادة، لكنها عمليا تواجه الشياطين المعروفة إياها: هويات متنافسة، حكم ونخب، تعلق بقوى خارجية وفجوة عميقة بين الدولة والمواطنين. الفرق هو أن لبنان لا يخفي هذا. بينما أنظمة أخرى تطور اساطير وحدة وطنية وسيطرة مطلقة، يكشف لبنان الهشاشة التي من خلف فكرة الدولة. وعليه، فبدلا من أن يكون لبنان تحذيرا فقط فانه تذكير غير لطيف أيضا – بان المشكلة ليست فيه فقط بل في النموذج الاوسع الذي تعيش فيه الدول تجاه الخارجلكنها في الداخل تصارغ على التعريف من هي حقا.
اذا كنا سنوجه اصبع اتهام، فمن الصعب ان نتجاهل دور الجامعة العربية والعالم العربي الواسع في تصميم مصير لبنان. باسم شعارات “الوحدة العربية” و “الكفاح المشترك” سمحت الدول العربيةلـ م.ت.ف ان تجعل لبنان ابتداء من السبعينيات ساحة مواجهة مع إسرائيل. لبنان تحمل الثمن – دمار، حروب، تفكك داخلي – بينما الدول العربية الأخرى أبقت على استقرارها النسبي. لاحقا، حين بدأ النفوذ الإيراني يتعاظم عبر حزب الله في الثمانينيات، فان “الامة العربية” العظمى إياها لم تنجح وربما حتى لم تحاول كبح المسيرة.
ولم تكن النتيجة فقط تشييع مراكز القوة في لبنان بل وأيضا الإيرانية التدريجية للمجال الذي كان يفترض أن يكون جزءاً من العالم العربي. هنا يظهر التناقض بكامل حدته: الدول إياها التي رودجت للوحدة لم تنجح في الدفاع عن واحدة منها في وجه تحولها الى ميدان لعب للاخرين. بهذا المفهوم، فان لبنان ليس فقط ضحية ضعفه الداخلي بل وأيضا فشل إقليمي أوسع – لمن تحدثوا باسم الوحدة لكنهم عملوا على الانقسام.
في هذه الأيام بدأت مفاوضات بين إسرائيل ولبنان على اتفاق سلام وتطبيع، لكن كل من يسارع الى تطوير توقعات لاتفاق تاريخي يجدر به أن يتذكر: تنفيذ الاتفاقات لم يكن ابدا الجانب القوي في لبنان. باستثناء اتفاق الطائف في 1989 الذي ثبت المبنى السياسي لكنه لم يحل المشاكل الجذرية للبنان، تكاد تكون كل تسوية أخرى بقيت على الورق أو دابت في الواقع المعقد في الدولة. وعليه، فحتى لو تحقق اتفاق – ومهما كان مبهرا – فانه سيختبر ليس بالعناوين الصحفية بل في القدرة على البناء في منظومة لا تؤدي مهامها كدولة كلاسيكية. بين التصريحات والواقع في لبنان تفتح ثغرها هوة، وفي أحيان كثيرة تكون هي التي تقرر.