عاجل:

زياد بارود لـ "إيست نيوز": السلطة تفقد شرعيتها حين تسقط كرامة الإنسان

  • ٣٢
في تلك القاعة الفسيحة، حيث الرخام المصقول يعكس برودة مكيفات الهواء المركزية، يجلس صنّاع القرار خلف طاولة اجتماعات يغيب عنها كل أثر للزمن أو الأزمة.

هناك، تُناقش المستجدات المصيرية ببرودة أعصاب تضاهي حرارة الفناجين الفاخرة التي تُقدّم بالقفازات البيضاء. خلف تلك الأبواب الموصدة، تبدو الحرب مجرّد بند على جدول أعمال، والنزوح مجرد أرقام في تقارير المنظمات، والوطن ساحة لتوزيع الحصص والبروتوكولات.

خارج القاعة.. المشهد يشتعل. فعلى بُعد أمتار قليلة من صمت الصالونات، تصفع حرارة الأسفلت وجوه النازحين الذين افترشوا الأرصفة بعدما ضاقت بهم الأرض بما رحبت.

هناك، حيث طابور الذل يمتد من رغيف الخبز إلى باب المستشفى، يعيش اللبنانيون واقعًا سرياليًا؛ جزءٌ منهم يواجه جشع الإيجارات التي تحولت إلى "تجارة حروب"، وجزءٌ آخر يصارع الموت والنزوح بصدور عارية، بعيداً عن "مكيفات" الوعود السياسية التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

هذا الانفصام ليس وليد الصدفة، بل هو بنيوي كما يراه الوزير السابق زياد بارود، الذي يؤكد لإيست نيوز أن هذا الانفصال "عمره من عمر البلد الذي قام على قواعد تسووية". يرى بارود أن "شرعية أي سلطة تبقى رهناً بمدى تأمينها الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية"، مشدداً على أن الطبقة السياسية غالباً ما لم ترَ في المواطن إلا "ناخباً وورقة اقتراع أو وقوداً في لعبة المصالح".

وعن الإنفاق "الاستعلائي" في زمن الطوارئ، يضع بارود الإصبع على الجرح الدستوري، مذكراً بأن لبنان بقي لسنوات بلا موازنات وبمخالفات مستمرة للمادة 87 من الدستور، مضيفًا أن، "منذ الأزمة المالية، باتت موازنة الدولة عبارة عن مجرد نفقات الحد الأدنى، ومع ذلك فشلت الإدارة في التركيز على الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، رغم أننا نعيش حالة طوارئ مستمرة على كل المستويات تفرض تلبية فورية لحالات النزوح والمآسي الناتجة عنها".

تكمن المأساة في أن "المصاريف السيادية" التي تُنفق على الوجاهة الرسمية والمواكب وصيانة القصور، كانت كفيلة بترميم قطاعات منهارة بالكامل. والأدهى من ذلك، هو ملف "المتقاعدين"؛ أولئك الذين أمضوا عمرهم في الخدمة ليجدوا تعويضاتهم لا تكفي فاتورة كهرباء لشهرين.

فلماذا لا تُحوّل ميزانيات "التشريفات" وحفلات الاستقبال وبدلات تمثيل الوفود إلى صناديق النقابات لدعم كرامة من لم يعد جسده يقوى على الوقوف في طوابير الإغاثة؟ إن تحويل الرفاهية السياسية إلى أمان اجتماعي ليس تَرَفاً، بل هو الحد الأدنى من الأخلاق السياسية المفقودة في بلد يفتقر حتى اليوم لبطاقة صحية تحمي مواطنيه.
فهل وصلنا إلى "الطلاق البائن"؟ يرى بارود أن "غضب الأرصفة" مشروع تماماً إزاء انهيار القدرة الشرائية، لكنه يحذر من "استغلال تعب الناس وقرفهم" لضرب ما تبقى من هيكل الدولة. ويخلص إلى أن ردم الفجوة يتطلب "ترميم الثقة أولاً عبر اختيار مسؤولين أكفاء ونظيفي الكف، لأن المواطن اللبناني متواضع في مطالبه ومستعد للتضحية إذا وثق بمن يتولى أحكامه".

إن الاستمرار في إدارة البلاد بعقلية "الصالونات المعزولة" وسط نيران الحرب والانهيار، لم يعد مجرد فشل إداري، بل أصبح انتحاراً سياسياً. فالأرصفة التي غصّت بأصحاب الحقوق، والمتقاعدين الذين سُرقت أعمارهم، والنازحين الذين تُركوا لمصيرهم، هي اليوم الحقيقة الوحيدة الصارخة، بينما تبقى القصور المبرّدة مُجرّد غرف معزولة تسكنها أشباح سلطة فقدت نبضها ولم يبقَ منها سوى "بروتوكول" فارغ من أي معنى إنساني.
المنشورات ذات الصلة