عاجل:

عائدون إلى الضاحية.. غبار على الملامح وعناق فوق الركام

  • ٨٣
لم تكن مجرد رحلة عودة، بل كانت هجرة عكسية من غُربة النزوح القسري إلى غربة الركام الموحش. بالأمس، فُتحت الشرايين المؤدية إلى الضاحية الجنوبية، فتدفق أهلها إليها كالدماء التي تحاول استعادة نبض جسدٍ منهك. لم تعد الضاحية كما تركوها؛ المعالم ممسوحة، والشوارع التي كانوا يحفظون تفاصيلها غدت تلالاً من الحجارة، لم يبقَ منها سوى أطياف باهتة لذكريات كانت تسكن خلف الجدران.

بين الركام، يقف أحدهم صامتاً. لا ينظر إلى حجم الدمار لتقدير الخسائر المادية، بل يبحث بعينيه عن زاوية كان يتكئ عليها، عن شرفة كانت تشهد أحاديث الصباح. لسان حاله يقول "هنا كان منزلي.. هنا ذكرياتنا.. كيف أصبحت الحياة مجرد كومة حجر؟"

سيارات ودراجات نارية محملة بكل شيء الأمتعة، الآمال المثقلة بالخيبات، صور، الأعلام الحزبية وعلامات النصر التي رُفعت من فوق حطام البيوت. وعلى تلك الدراجات، سيدة تحمل أدوات التنظيف بصلابة لافتة؛ عادت لتمسح غبار الغارات، وتعطّر ما تبقى من جدران لتطرد رائحة الموت التي جثمت على الصدور طويلاً.

لكن، من يمسح الخوف من القلوب المرتجفة؟ ومن يعطّر الأرواح التي انكسرت؟ اللواتي فقدن عزيزاً أو غالياً، لن تكفيهن المنظفات ولا العطور؛ ليس لهنّ سوى الورود يغرسنها فوق قبورٍ طرية، لعلّ عبيرها يواسي رحيلاً لن يملأ فراغه أي نصر.

الأصدق في هذا الزحام كان العناق. ربما هم جيران فرقتهم الحرب، وتقاذفتهم مراكز النزوح يميناً وشمالاً، اجتمعوا مجدداً على أرضهم. لم يسألوا عن أحوال البيوت، بل عانقوا بعضهم كأنهم يتأكدون أنهم لا يزالون على قيد الحياة.

ورجل سبعيني امتطى دراجته النارية بكامل أناقته وهيبته، وكأنه ذاهبٌ لموعدٍ مع الحياة أناقةٌ لم تخدشها الحرب، وإصرارٌ يقول للعالم إنّ البيوت تُهدم.. لكنّ الكرامة لا تشيخ.

 أما الأطفال، فكانوا المشهد الأكثر إيلاماً وأملاً في آن؛ رؤوسهم تطل من نوافذ السيارات وفتحات الأسقف، يبتسمون بعفوية، يلوحون بأعلامٍ... كبروا قبل أوانهم... ألم نسمع الكبار يقولون "الحرب بتكبر الإنسان". لعل هذا التهجير يكون الأخير، لعلهم في المرة القادمة يلوحون بالسلام، بطفولتهم البريئة، وبمستقبل حر لا يقطعه دويّ انفجار.

عادوا يا ضاحية.. عادوا لأن "ما في حدا بيرتاح غير ببيتو"، حتى لو كان هذا البيت سقفًا مهزومًا أو جدارًا وحيدًا يقف في وجه الريح. عادوا فاحفظيهم، واحضنيهم، وكوني لهم وطناً يلملم شتات الخوف الذي سكن المآقي.
المنشورات ذات الصلة