عاجل:

لماذا لا تستطيع أميركا مغادرة المنطقة؟

  • ١٣

كَتَبَ الزميل  موفّق حرب

راجت فرضيّة في الأعوام القليلة الماضية بأنّ الشرق الأوسط أصبح عبئاً على الولايات المتّحدة، وأنّ المستقبل يُرسم في آسيا. لكنّ الحرب الأخيرة كشفت حقيقة لا لبس فيها: حين تهتزّ المنطقة، تعود أميركا فوراً إلى قلبها ليس لأنّها تريد ذلك، بل لأنّها لا تستطيع المغادرة.

لأعوام تحدّثت واشنطن كما لو أنّ الشرق الأوسط صفحة طُويت، وأنّ المسرح الحقيقيّ بات في آسيا والمحيط الهادئ. حروب العراق وأفغانستان استنزفت المال والقرار السياسيّ، ووُلد ما سُمّي بـ”التحوّل نحو آسيا” كتصحيح استراتيجي: حضور أقلّ في الشرق الأوسط، وتركيز أكبر على الصين والمنافسة التكنولوجيّة والبحريّة.

لكنّ الحروب، كعادتها، تفضح الفجوة بين ما يُعلَن وما يُمارَس. الحرب الأميركيّة الحاليّة ضدّ إيران، والحشد البحريّ الواسع في الخليج، والعمليّات في مضيق هرمز، كلّها تشير إلى خلاصة واحدة: الولايات المتّحدة لا تزال ترى في الشرق الأوسط منطقة حيويّة لا يمكن تركها للفوضى، ولا يمكن تسليمها لمنافسين، ولا يمكن التعامل معها كملفّ ثانويّ.

إدارة مسرحَيْن

هذا لا يعني أنّ واشنطن تخلّت عن “التحوّل نحو آسيا” (pivot to Asia)، بل يعني محاولة إدارة مسرحين في آن واحد، ومنع أيٍّ منهما من الانزلاق إلى فراغ استراتيجيّ تستفيد منه قوى أخرى.

الافتراض القديم كان أنّ الولايات المتّحدة تستطيع تقليص وجودها في الشرق الأوسط لأنّ أهمّيّته النسبيّة تراجعت: اعتماد أقلّ على نفط الخليج، صعود الصين بوتيرة أسرع، وضغوط أوروبيّة متزايدة بفعل الحرب في أوكرانيا. حتّى التفكير الاستراتيجيّ الأميركيّ الحديث كان يميل إلى تقليص الموارد في الشرق الأوسط لمصلحة آسيا، مع إبقاء حدّ أدنى من الحضور لطمأنة الحلفاء ومنع الانفجارات الكبرى.

راجت فرضيّة في الأعوام القليلة الماضية بأنّ الشرق الأوسط أصبح عبئاً على الولايات المتّحدة، وأنّ المستقبل يُرسم في آسيا لكنّ الوقائع الأخيرة تكشف حدود هذا التصوّر: حشد بحريّ أميركيّ غير مسبوق منذ حرب العراق، انتشار كثيف للأصول العسكريّة، وعودة واضحة إلى منطق السيطرة على الممرّات البحريّة وردع التصعيد. في إشارة واضحة إلى أنّ هذا ليس سلوك قوّة تنسحب، بل قوّة تعيد تثبيت خطوطها الحمر.

هل عادت أميركا؟

السؤال الحقيقيّ لم يعُد: هل عادت أميركا؟ بل: أيّ نوع من الحضور تريده اليوم؟

من غير المرجّح أن تعود واشنطن إلى نموذج الحروب المفتوحة والاحتلالات الطويلة وبناء الدول. أصبحت الكلفة السياسيّة والعسكريّة لهذا النموذج غير مقبولة. الأكثر ترجيحاً هو نموذج مختلف: قوّة جوّيّة وبحريّة كثيفة، انتشار مرن، اعتماد أكبر على الحلفاء، وقدرة على التدخّل السريع عند الحاجة. بمعنى أدقّ: سيطرة من دون احتلال.

الشرق الأوسط

أعادت الحرب الحاليّة مع إيران ترتيب الحسابات الأميركيّة على ثلاثة مستويات:

1- الشرق الأوسط لا يزال عقدة في النظام العالميّ: أمن الطاقة، حرّية الملاحة، حماية الحلفاء، ومنع الانتشار النوويّ. ليس مضيق هرمز ممرّاً إقليميّاً، بل شريان دوليّ. أيّ اضطراب فيه يتجاوز المنطقة ليصيب الاقتصاد العالميّ.

2- لا تريد واشنطن أن تترك فراغاً بعد الحرب. ليس لأنّ الصين أو روسيا جاهزتان لملء هذا الفراغ عسكريّاً، بل لأنّهما قادرتان على استثماره بطرق أخرى: نفوذ اقتصاديّ، بنى تحتيّة، تكنولوجيا، وسرديّات سياسيّة مضادّة للولايات المتّحدة. لا يُملأ الفراغ اليوم بالأساطيل فقط، بل بالصفقات والشبكات والتأثير.

3- المنافسة مع الصين تمرّ عبر الشرق الأوسط، لا بعيداً عنه. الطاقة، الممرّات البحريّة، التحالفات الخليجيّة، كلّها عناصر متداخلة في الصراع الأوسع مع بكين. لذلك لا يعني “التحوّل نحو آسيا” مغادرة الشرق الأوسط، بل إعادة تعريف كيفيّة الحضور فيه.

الافتراض القديم كان أنّ الولايات المتّحدة تستطيع تقليص وجودها في الشرق الأوسط لأنّ أهمّيّته النسبيّة تراجعت

أميركا باقية

بعد الحرب مع إيران، يصبح هذا الترابط أكثر وضوحاً. إذا خرجت إيران ضعيفة لكن غير مهزومة، فستبقى الحاجة إلى ردعها. إذا دخلت في مرحلة اضطراب داخليّ، فستبرز مخاطر الفوضى والانتشار والتفكّك. إذا تمّ التوصّل إلى تسوية، فستحتاج واشنطن إلى قوّة قريبة تضمن تنفيذها. في كلّ السيناريوات النتيجة واحدة: بقاء أميركيّ لكن بصيغة مختلفة.

ليست المعضلة الأساسيّة لواشنطن في حجم القوّة، بل في تعريف الهدف: هل المطلوب احتواء إيران؟ ردعها؟ تغيير سلوكها؟ أم إعادة صياغة التوازن الإقليميّ؟

من دون إجابة واضحة، يُخشى أن يتحوّل الحضور العسكريّ بحدّ ذاته إلى غاية لا وسيلة لتحقيق نهاية سياسيّة. هنا يظهر التوازن الصعب: لا تريد أميركا أن تغادر فتخسر، ولا تريد أن تنغمس فتُستنزف.

الحلّ الذي يتبلور اليوم هو صيغة وسط: حضور دائم لكن أخفّ، قوّة أكثر تركيزاً، اعتماد أكبر على الشركاء، واستعداد دائم للتصعيد عند الحاجة. شرق أوسط مستقرّ بما يكفي كي لا يستنزف واشنطن، ومضبوط بما يكفي كي لا يتحوّل إلى فرصة لمنافسيها.

المنشورات ذات الصلة