عاجل:

"يديعوت أحرنوت": تقييم إسرائيل لأزمة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران

  • ٢٨

بقلم: رونين بيرغمان

في خطاب ألقاه الليلة قبل الماضية إلى جانب الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، قدّم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وصفاً دقيقاً للتقييم الذي صدر في إسرائيل، وعكس أزمة حقيقية وخطيرة في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، فقد قال: "لم ينتهِ الأمر بعد. فكل لحظة قد تحمل تطوراً جديداً. نحن نواجه تحديات جسيمة. ونخوض حرباً مع الولايات المتحدة ضد إيران، التي تطمح في تدمير الحضارة الغربية".

قد يقول المتشائمون إن الشخص الوحيد، في هذه الأثناء، الذي هدد - وبشكل صريح وعلني وتحدٍّ - بتدمير الحضارة هو ترامب، الذي أعلن عزمه فعل ذلك بإيران، وأن تدمير الحضارة - على عكس التهديدات بتدمير أهداف عسكرية وحكومية مثلاً - أي إلحاق ضرر مباشر بوجود إيران كدولة، يُعد خطة عمل مختلفة تماماً عن وعود ترامب للمتظاهرين بأن "المساعدة قادمة". بل ربما العكس هو الصحيح.

لكن بعيداً عن التشاؤم، فإن الصورة التي تتبلور في الواقع هي صورة مفاوضات تقف على شعرة.

وخلافاً لرواية نتنياهو وأبواقه وقنواته، لا تتلقى إسرائيل تحديثات منتظمة من الولايات المتحدة حول ما يجري في المحادثات، وغالباً ما يُضطر قادة الجيش وأجهزة الاستخبارات والقيادات السياسية إلى إجراء تقييمات للوضع وفقاً للتطورات.

وحتى الآن، وكما نُشر هنا عدة مرات، أثبتت هذه التقييمات أيضاً موثوقيتها ودقتها عند النظر إليها بأثر رجعي.

دفعت هذه التقييمات نتنياهو، مراراً وتكراراً، إلى إلقاء خطابات مختلفة، وإعادة صياغة أهداف وإنجازات الحرب (مراراً وتكراراً)، وفقاً لما فهموه من إمكانية تحقيقها أو استحالة ذلك.

فيما يأتي بعض النقاط الرئيسة التي تستحق المتابعة في الأيام المقبلة:

1. آخر تقييم لما يجري في المفاوضات

كان من الواضح والمتوقع أن كلا الجانبين سيستعرض قوته حتى اللحظة الأخيرة، ويصدر بيانات حاسمة بشأن النقاط الرئيسة، ويهدد باستئناف الحملة، أو يُظهر لامبالاة تجاه إمكانية تجديدها.

وقد أضاف الإيرانيون لمسة خاصة إلى هذه المناورة المألوفة: فقد بدأت البعثات الإيرانية حول العالم بنشر تغريدات مثيرة، وأحياناً ساخرة ولاذعة، ضد ترامب، والتي لو وصلت إليه لما أضحكته بالتأكيد.

تريد إيران أن تُشير إلى أنه حتى مع شخص مثل ترامب، الذي لا يرغب أحد في إزعاجه أو إذلاله، فإنهم لا يخشون ذلك.

لكن الأزمة الحالية في المفاوضات، على الأقل وفقاً للتقييم الإسرائيلي، تتجاوز بكثير مجرد الأنا أو أساليب التفاوض المتشددة.

وقال مصدر مطلع على التفاصيل: "نحن في مرحلة يسعى فيها كل طرف لتسلق شجرة عالية، مع اقتراب نهاية المفاوضات".

وأضاف: "لم يتغير التقييم العام، فكلا الجانبين لديه مصلحة أكبر في التوصل إلى اتفاق بدلاً من العودة إلى القتال، وسيتم حل هذه الأزمة إما بتمديد الإنذار أو بإبرام اتفاق، لكن وقف إطلاق النار والمفاوضات معلقان الآن. إن تصعيد مستوى التهديد حقيقي تماماً ويعكس مشكلة خطيرة".

وفي الليلة قبل الماضية أعلن ترامب أن الولايات المتحدة احتجزت سفينة إيرانية كانت تحاول انتهاك الحصار الذي فرضته على السفن المغادرة لإيران أو المتجهة إليها. وقال ترامب بعد أن أحدثت سفينة تابعة للبحرية الأميركية "ثقباً في غرفة محركات" السفينة: "لن ينتهي الأمر بشكل جيد بالنسبة لهم".

2. المواجهة في إيران بين القوتين السياسية والعسكرية

يرجع جزء من مشكلة بطء تقدم المفاوضات، كما أوضحنا هنا قبل نحو أسبوعين، إلى صعوبة إيصال الرسائل إلى المرشد الروحي الجديد، مجتبى خامنئي، واستقبالها منه. فخوفاً من اغتيال إسرائيلي، يُحاط خامنئي الابن بحماية مشددة، ويتطلب وصول الرسالة إليه طبقات عديدة من الوسطاء والمراسلات.

وقد تمر أيام عديدة قبل أن يتشاور مع المجموعة المقربة منه، ويتخذ قراره، ثم تُعاد الرسالة بالطريقة المعقدة ذاتها، على غرار ما حدث في المفاوضات بين إسرائيل و"حماس" في غزة بشأن عودة المختطفين.

وعندما يقترب موعد انتهاء المهلة، التي مُددت عدة مرات، فجأة، تتفاقم الصعوبات.

لكن الأمر لا يقتصر على مسألة أمنية تتعلق بحماية المرشد فحسب، بل يتضح الآن أن بعض التأخيرات ناتجة عن صراع معقد على السلطة داخل النخبة الإيرانية، يتمحور حول خلاف حاد حول قضيتين.

يدور الصراع في إيران بين المستويات السياسية العليا، وأبرز الشخصيات وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يتمتع بنفوذ كبير وقادر على حشد دعم شخصيات عالمية موالية لإيران، مثل روسيا والصين، لمساعدته؛ والرئيس بزشكيان، الذي فقد معظم سلطته حتى قبل اندلاع الحرب، وبالتأكيد منذ بدايتها.

وينتمي محمد باقر قاليباف، مفاوض الدولة، إلى هذه المجموعة أيضاً، رغم أنه شغل سابقاً منصب قائد الجناح الجوي والفضائي للحرس الثوري، ويُنظر إليه كشخصية متمرسة في المؤسسة العسكرية.

تربط قاليباف علاقة سابقة مع نائب الرئيس الأميركي، جي. دي. فانس، ويعتقد أنه قادر على تسخير معارضة فانس لاستمرار الحرب، إن لم يكن للقضية برمتها، لصالح إيران، والتوصل إلى اتفاق يُعدّ الأفضل في ظل الظروف الراهنة.

في المقابل، يقف الحرس الثوري الإيراني، بقيادة أحمد عابدي، أحد كبار قادة الحرس، وهو ثالث من يتولى هذا المنصب منذ حزيران 2025، بعد اغتيال إسرائيل لسلفيه. ويحظى الحرس، إلى حد ما، بدعم من الجيش النظامي الإيراني - وهو كيان منفصل عن الحرس الثوري - الذي تبنى نهجاً متشدداً منذ بداية القتال، ربما بسبب تصفية قادته مراراً وتكراراً في كلا الجولتين.

وتتمحور نقاط الخلاف الرئيسة بين الأطراف داخل النظام حول ما ترغب إيران في تقديمه، وما لن تتنازل عنه في أي اتفاق مع الولايات المتحدة.

وتتمحور هذه النقاط بشكل أساسي حول قضيتين: مضيق هرمز والمواد المخصبة.

مجتبى، الذي نشأ محاطاً بأفراد الحرس الثوري، وأقربهم إليه حسين طيب، الذي شغل لسنوات طويلة منصب قائد "أرغمان" - جهاز الاستخبارات التابع للحرس - يقبل، على الأقل في الوقت الراهن، النهج الحزبي الذي يدعو إلى المطالبة بالملكية على مضيق هرمز وفرض رسوم على عبوره، وعدم تسليم المواد، لا سيما في المرحلة الأولى.

تكمن المشكلة في أن هذا النهج هو انعكاسٌ تام لمطالب الولايات المتحدة على الجانب الآخر.

هذه اختلافات جوهرية، وسيُمكّن حلّها كل طرف، إذا ما حقق مبتغاه، من القول: "لقد انتصرت"، وهو قولٌ قد يكون صحيحاً إلى حدٍ ما.

3. مضيق هرمز

إن السهولة المذهلة التي تمكنت بها إيران من إغلاق مضيق هرمز - وهو سيناريو أُدرج في كل مناورة عسكرية شاركت فيها إيران منذ تسعينيات القرن الماضي - فاجأت حتى الإيرانيين أنفسهم.

كان زعيم العالم الحر مقتنعاً بأن النظام في إيران سيسقط في وقت قصير، ولذلك لم يتوقع أن تقترب الأمور من الوقت الذي سيستغرقه الإيرانيون للتعافي من الضربة الأولى وإرسال قوات إلى هناك.

تشير مصادر إسرائيلية مطلعة على تخطيط العملية إلى أن هرمز كانت مسؤولية أميركية بحتة.

أعرب رئيس الأركان الأميركي عن قلقه لترامب، لكنه تجاهل الأمر وقال إنه لا داعي للقلق، ولذلك فوجئت الولايات المتحدة الأميركية بنجاح إيران - وما زالت تنجح - في استخدام وسائل بسيطة للاستيلاء على نفوذ عالمي في مكان حساس.

يُمكّن هذا إيران من تحقيق مكاسب كبيرة: الاعتراف بسيادتها على المضيق، وإمكانية تحصيل رسوم عبور من السفن.

حتى لو كانت رسوم مرور برميل النفط "فقط" دولاراً واحداً، وهو ما يعادل تقريباً أسعار سلع ضخمة أخرى تمر عبر المضيق، فإن إيران ستجني 20 مليار دولار إضافية.

وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، واستمر الحصار المفروض من كلا الجانبين في خنق العالم، فمن المرجح أن ترتفع الأسعار.

من جهة، يدرك الإيرانيون أن الولايات المتحدة لا تملك حالياً حلاً عسكرياً يُجبرهم على فتح المضيق، ولذا يمارسون ضغوطاً متزايدة، ما أجبر ترامب على فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل في لبنان.

كان "حزب الله" وإسرائيل مشمولين باتفاق وقف إطلاق النار منذ البداية، لكن ترامب لم يُفعّله إلا بسبب مضيق هرمز، الذي فُتح فوراً، ثم أُغلق مجدداً عندما أرادت إيران شيئاً آخر.

من جهة أخرى، قد يمنع السماح لإيران بتحصيل رسوم العبور مقابل التخلي عن اليورانيوم من أن تصبح قوة نووية عسكرية، ولكنه قد يُعزز مكانتها كقوة اقتصادية، تستخدم هذه الأموال لمواصلة ممارساتها الضارة بالعالم. ليس من المؤكد أيهما أسوأ.

4. إسرائيل: من المتوقع تكثيف الاستعدادات

ليست كل المعلومات الاستخباراتية الواردة من العدو، أو ما يُطلق عليه في أوساط الاستخبارات "الجانب الأحمر"، دقيقة تماماً أو مُقَيَّمة بشكل صحيح.

فليس كل حديث، ولا كل رسالة، ولا كل تسجيل صوتي أو اختراق إلكتروني، يُتيح لنا فهم الوضع العام والواسع.

من المهم التعامل مع المعلومات الاستخباراتية بشيء من الشك، لا سيما في هذه الحالة حيث يولي الإيرانيون اهتماماً بالغاً للحذر من الاغتيالات، وبالتالي فإن الابتعاد عن وسائل الاتصال والأجهزة الإلكترونية عموماً، يجعل من الصعب للغاية مراقبة الوضع.

قررت إسرائيل عدم المجازفة، ونظراً للأزمة التي وُصفت بالخطيرة، ستتخذ إجراءات تحضيرية تحسباً لاحتمال تجدد القتال.

هذه المرة ستكون الاستعدادات واضحة للجميع. يُتوقع منا في الأيام القادمة تقديم إحاطات إعلامية حول جاهزية الجيش بكامل قوته، وأن قواتنا في حالة تأهب، وأن مخزون الأهداف قد تم تعزيزه.

من الواضح أن نتنياهو والمقربين منه يرغبون في العودة إلى القتال.

ومن الواضح لهم، في الجيش وفي أجزاء أخرى من مجتمع الاستخبارات والمؤسسة الدفاعية، أنه إذا انتهت هذه الحرب صباح الغد باتفاق - ويجب أن نكون واقعيين بشأن مكوناته - فإن هذه النهاية ستكون بعيدة كل البعد عما كان مخططاً له في البداية.

لم يتحقق أي من الأهداف الثلاثة التي سعى نتنياهو لتحقيقها وأمر بتحقيقها - تدمير المشروع النووي، وتدمير مشروع الصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام.

هذا أمر محبط، ويثير بالطبع تساؤلاً حول ما الذي عزز ثقة بعض الجهات بإمكانية تحقيق هذه الأهداف (منها اثنان قد تحققا بالفعل وفقاً لرواية نتنياهو السابقة)، ولكن هذا من اختصاص لجنة التحقيق.

والآن، السؤال الذي يتعين على صناع القرار مناقشته هو إذا ما كانت العودة إلى القتال قادرة على تحسين الوضع وخلق عالم أفضل لمواطني البلاد.

بتركيزٍ شديد، ولأن هذا هو موضع التهديد الحقيقي، ومن هنا بدأت هذه الحرب المستمرة منذ أربعة عقود مع "النظام الشرير" في طهران، فإن إزالة اليورانيوم المخصب من إيران ستشكل إنجازاً مهماً، وستؤخر المشروع النووي لسنوات عديدة. وحده فحصٌ مهنيٌّ وموضوعيٌّ قادرٌ على الإجابة عن السؤال المحوري والأهم: هل ثمة فرصة أفضل لإزالة اليورانيوم المخصب - الذي يُمكن إنتاج ما يصل إلى 12 قنبلة ذرية منه - بالوسائل العسكرية، أم أن الاتفاق هو السبيل الوحيد لذلك؟

المنشورات ذات الصلة