عاجل:

هل انتهى زمن "السحسوح": أم بدأ زمن الإخضاع؟

  • ٩٦

ليست الحادثة التي شهدتها بلدة يحمر في البقاع الغربي تفصيلاً عابراً يمكن إدراجه في خانة “الإشكالات الفردية” أو “سوء التقدير”. فالمشهد الذي بدأ بصورة لشخص يحرق صورة السيد حسن نصرالله، قبل أن ينتهي بمقطع مصوّر له وهو يرفع صورة جديدة ويعتذر معلناً ولاءه، يختصر واقعاً أكثر عمقاً وخطورة: واقع تُدار فيه الحياة العامة تحت سقف الخوف، وتُعاد فيه صياغة المواقف بالقوة أو تحت وطأة الضغط.

هذه ليست المرّة الأولى التي يُستعاد فيها ما يُتداول شعبياً تحت مسمى “السحسوح”، حيث يُدفع أفراد إلى التراجع العلني عن مواقفهم، لا عبر نقاش حرّ أو قناعة فكرية، بل عبر ضغوط غير معلنة وأدوات ردع اجتماعية وأمنية. وما يثير القلق أكثر أن هذا النمط لم يعد محصوراً بالسياقات الفردية، بل ينسحب أيضاً على الجسم الإعلامي، حيث يواجه صحافيون، خصوصاً أصحاب الخطاب المخالف، قيوداً وضغوطاً خلال تغطياتهم الميدانية في مناطق يُعدّ حزب الله القوة الأكثر حضوراً فيها.

في الميدان لم تعد مهمة الصحافي نقل الوقائع، بل الصمود أمام التضييق: كاميرات تُراقب، أسئلة تُقابل بالريبة، ومضامين تُحاصر قبل البث. هناك خطوط غير مكتوبة يُفترض بالإعلامي ألا يتجاوزها، وإلا تعرّض للمضايقة أو المنع أو حتى التهديد المباشر. وفي كثير من الأحيان، يُطلب من الصحافي أن يكون شاهداً صامتاً، لا ناقلاً للحقيقة.

تتعدّد الشهادات الإعلامية حول أشكال التضييق التي تتراوح بين مُراقبة الكاميرات والتحكم بها أثناء التصوير، إلى ضغوط تُمارس بشكل مباشر أو غير مباشر على المحتوى، وصولاً إلى تضييق على وسائل البثّ وسيارات الإرسال وتحطيمها. وإلى جانب ذلك، يصف إعلاميون ما يتعرّضون له بأنه نوع من “الترهيب الفكري”، حيث يُعاد رسم حدود التغطية المسموح بها بشكل غير معلن، ما ينعكس على هامش الحرية في نقل الوقائع كما هي.

المشكلة لا تكمن فقط في هذه المُمارسات بحدّ ذاتها، بل في ما تؤسّس له على المدى البعيد. حين يُرغَم الفرد على الاعتذار عن فعلٍ ما تحت الضغط، لا يُعاد تصحيح الخطأ بل يُعاد إنتاج الخوف. وحين يُقيَّد عمل الصحافي، لا تُحمى “البيئة” كما يُقال، بل تُحجَب الحقيقة عن الناس، ويُمسّ أحد أهم أعمدة أي مجتمع سليم: حُرية التعبير.

في هذا السياق، تبدو الصورة أوضح عند مُقاربتها من زاوية الصراع مع إسرائيل. فأي انكفاء نحو الداخل وضبط البيئة ينعكس تلقائياً لصالح إسرائيل، لأن القوة التي تُستنزف داخلياً تتراجع وظيفتها في مواجهة الخارج. هذا الواقع لا يحتاج إلى تدخل خارجي، بقدر ما يعكس نتيجة لمسار داخلي تتقدّم فيه الأولويات الداخلية على حساب الاشتباك الخارجي. وحين تتحوّل الأولوية إلى إدارة الاختلاف داخل البيئة الواحدة، تتراجع تلقائياً وظيفة هذه القوة في مواجهة الخارج، وهو ما يشكّل مصلحة واضحة لإسرائيل، ولو بشكل غير مباشر.

الإعلام ليس خصماً لأحد، بل مرآة تعكس الواقع كما هو. وعندما تُكسَر هذه المرآة أو يُفرض عليها أن تعكس صورة واحدة فقط، نكون أمام خلل بنيوي يتجاوز حادثة هنا أو موقفاً هناك. فالمجتمعات التي تُبنى على الصوت الواحد، سرعان ما تفقد قدرتها على النقد والتصحيح، وتدخل في دائرة مغلقة من التكرار والانكفاء.

ما جرى في يحمر ليس مُجرّد حادثة محلية، بل مؤشّر على طبيعة المناخ السائد، حيث يصبح الخروج عن السردية المهيمنة مكلفاً، ويغدو التراجع العلني جزءاً من مشهد يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة. وفي المقابل، يطرح ذلك سؤالاً مشروعاً: إلى متى يمكن الاستمرار في إدارة التباينات الاجتماعية والسياسية عبر أدوات الضغط بدل الحوار؟

خلاصة القول، لا يمكن لأي بيئة، مهما بلغت تماسكها، أن تحافظ على استقرارها الحقيقي إذا كان هذا الاستقرار قائماً على الخوف. ولا يمكن لأي خطاب أن يقنع الناس بصدقيته إذا كان يحتاج إلى الترهيب لحمايته. وحدها الحرية، بكل ما تحمله من تنوّع واختلاف، قادرة على إنتاج ولاء حقيقي، لا ولاء مُعلّب يُفرض تحت الضغط ثم يُقدَّم على أنه قناعة.

بين صورة تُحرق وأخرى تُرفع، تبقى الحقيقة: الكرامة لا تُستعاد باعتذار قسري، والإعلام سيبقى المساحة الأخيرة لمقاومة الإخضاع الصامت.

المنشورات ذات الصلة