عاجل:

بين "أبواب موسكو المفتوحة" و"صمت بيروت": هل يكسر لبنان "الفيتو" غير المعلن وينفتح شرقاً؟

  • ٧٨

إيست نيوز-  في وقتٍ تتنفس فيه الجبهات اللبنانية "الصعداء" بموجب تمديدٍ بوساطة أميركية لوقف إطلاق النار لمدّة ثلاثة أسابيع، يبقى لبنان أسير حالة استنزاف لا هي بالسلم ولا هي بالحرب. هذا التمديد التقني، الذي يرى فيه مراقبون مجرد تأجيل للمواجهة لا حلاً جذريًا لها، يضع البلاد مجددًا في وضعية "لا معلقين ولا مطلقين"، بانتظار تسويات لم تنضج بعد في المطابخ الدولية.

وسط هذا الضباب، تبرز حاجة بيروت الملحة لكسر الأحادية في الوساطة؛ فوصول المساعدات الروسية للدفاع المدني والنازحين الثلاثاء الفائت، بتوجيه مباشر من الرئيس فلاديمير بوتين، لم يكن مجرد حدث إنساني، بل هو إشارة سياسية واضحة بأن موسكو لا تزال ترى في لبنان مساحة اهتمام استراتيجي، وهي جاهزة للعب دور الموازن في لحظة يفتقد فيها لبنان للبدائل.



روداكوف لـ "إيست نيوز": أفعال لا أقوال

وفي إطار الوقوف على الرؤية الرسمية للكرملين، أكد السفير الروسي في لبنان ألكسندر روداكوف لـ "إيست نيوز" أن الدعم الروسي ليس وليد الصدفة، بل هو نهج مستمر؛ مذكرًا بترميم 8 جسور حيوية بعد حرب 2006، وحماية المنطقة من الإرهاب عام 2015، وصولاً إلى رفع المنح الدراسية لـ 180 منحة سنويًا.

كما وضع روداكوف الكرة في ملعب السلطة اللبنانية بوضوح، معلنًا استعداد بلاده لتفعيل اللجنة الحكومية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي فورًا، قائلاً: "إذا كان اللبنانيون يرغبون في مزيد من المساعدة، فلا مانع لدينا.. أبوابنا مفتوحة دائماً لأصدقائنا".



بلال عبدالله: الشراكة بحاجة لقرار سياسي جريء

وعلى الضفة النيابية، يرى عضو اللقاء الديمقراطي النائب د. بلال عبدالله في تصريح لـ "إيست نيوز"، أن "الاستفادة من هذا الثقل الروسي يتطلب عقلية مبادرة تتجاوز الاستلام السلبي للمساعدات". وحول الفيتو الذي قد يمنع لبنان من تعميق الشراكة مع موسكو، أوضح عبدالله أنه "لا يجب الخلط بين المساعدات التي دأبت روسيا على تقديمها، وبين الشراكة التي تحتاج إلى حوار مكثف وتكثيف للعلاقات الدبلوماسية. يجب أن يكون لبنان منفتحًا لتعميق هذه العلاقة والتبادل التجاري لما تمثله روسيا من ثقل وإمكانيات دولية".

ويضيف عبدالله واضعًا إصبعه على جرح التقصير الرسمي "المشكلة تكمن في ضرورة تطوير مستوى التواصل؛ نحن بحاجة لدعوة مسؤولين لبنانيين رسميين إلى روسيا واستقبال وزراء روس في بيروت. يجب أن ترتقي العلاقة لمستوى أكبر مما هي عليه اليوم".



بو نصار: موسكو تناصر استقرارنا.. والعقوبات هي "العائق" 

من موسكو، يقرأ السفير اللبناني السابق وعميد السلك الدبلوماسي العربي لـ13 عامًا، شوقي بو نصار، أبعاد هذه العلاقة، مؤكدًا لـ "إيست نيوز" أن "روسيا دولة صديقة وقفت إلى جانب لبنان في أحلك الظروف، من عدوان 2006 وصولاً إلى المساعدات الصحية والإغاثية".

وعن عوائق تفعيل اللجنة الاقتصادية الحكومية التي أُنشئت عام 2011، يشير إلى أنه "لا يوجد عائقًا سياسيًا من لبنان، لكن النتائج ظلت محدودة بسبب العقوبات المفروضة على روسيا والتي تهدد المؤسسات الخاصة في حال تعاملها مع موسكو".

ويضيف موضحًا الموقف اللبناني الحرج "لبنان لم يوافق رسميًا على هذه العقوبات لكونها أحادية الجانب وغير صادرة عن مجلس الأمن، لكنه على أرض الواقع مجبر على مُراعاتها لأسباب عملية".

وحول الدور الروسي في الأزمة الحالية، يرى بو نصار أن "الرئيس بوتين أعاد لروسيا هيبتها كدولة عظمى، لكن ما يعيق دورها في المنطقة هو الموقف الإسرائيلي الذي وضع كل أوراقه في واشنطن ويحبذ الدور الأميركي الصرف، وهو أمر غير سليم للدول الصغيرة".


لماذا تتردّد بيروت؟

تعليقاً على هذا المشهد، يرى رئيس مكتب التعاون اللبناني الروسي "Roslivan" الأستاذ محمد ناصر الدين، أن العائق "لبناني بامتياز". ويوضح أن "مبادرات روسيا الاستثمارية قوبلت ببرود من حكومات سابقة، مضيفاً بأسف "لم يصدر من السلطة الحالية أي خطوة تقارب جدية، رغم أن روسيا تملك (موّنة) على أطراف إقليمية وخطوطًا مفتوحة مع واشنطن وطهران والخليج وحتى إسرائيل، مما يجعلها الوسيط الأقدر على حفظ حق لبنان وكبح التدحرج نحو الحرب".

المبادرة لا الانتظار

تكمن الأزمة في عقلية "انتظار الهاتف" التي تحكم السياسة الخارجية اللبنانية. إن حالة تجميد الحرب الحالية عبر تمديد وقف النار لأسبوعين هي فرصة ذهبية لبيروت لتنويع أوراقها السياسية. الانفتاح على روسيا لا يعني استبدال الغرب، بل يعني إيجاد وسيط معتدل يضمن عدم فرض حلول مجحفة على لبنان.

يا سلطتنا العظيمة، لبنان لا يحتاج إلى تغيير موقعه الجغرافي، بل إلى تغيير عقليته السياسية، ليتحول من دولة تنتظر الاتصال إلى دولة تبادر به. فتح الخط مع موسكو اليوم ضرورة واقعية؛ لأن من لا يجلس إلى الطاولة في هذه الظروف، سيبقى دائمًا على قائمة الانتظار.. أو ربما على لائحة الطعام.

المنشورات ذات الصلة