عاجل:

111 عامًا على مجازر سيفو: نحن بقايا سيوف… والذاكرة لا تُذبح

  • ٩٩
نحن بقايا سيوف.

لم نأتِ من ذاكرة هادئة، بل خرجنا من حافة الإبادة. من بين الرماد والاقتلاع وُلدت شهادة لا تزال ترفض أن تُمحى، وذاكرة ترفض أن تُذبح مرًتين: مرة بالسيف، ومرة بالنسيان.

بعد 111 عامًا على مجازر سيفو والإبادة الأرمنية، لا تبدو الذكرى استعادة لماضٍ بعيد، بل مواجهة حيّة مع تاريخ لم يُقفل، ومع جرح ما زال مفتوحًا لأن العدالة لم تكتمل، ولأن الحقيقة لم تُستوفَ حقها بعد.

في الرابع والعشرين من نيسان، لا يستعيد السريان والأرمن والآشوريون والكلدان واليونانيون ذكرى الضحايا فحسب، بل يستحضرون واحدة من أكثر الجرائم تأسيسًا في تاريخ هذا الشرق الحديث؛ جريمة لم تكن انفلاتًا في زمن حرب، بل مشروع اقتلاع مُمنهج استهدف الإنسان والهُويّة والوجود والذاكرة.

“سيفو” أي السيف بالسريانية، لم تكن تسمية رمزية، بل توصيفًا دقيقًا لمشهد الإبادة. بالسيف أُبيدت قرى، وأُحرقت بلدات، واقتُلعت جماعات من جذورها التاريخية.

وفي موازاة ذلك، كانت الإبادة الأرمنية ترسم واحدة من أبشع صفحات القرن العشرين، التي ما زالت آثارها الأخلاقية والسياسية حاضرة حتى اليوم.

لكن القضية لم تكن مُجرّد أرقام أو سرديات تاريخية. كانت محاولة لمحو وجود كامل من الجغرافيا والذاكرة معًا. ولهذا لم تنتهِ المجزرة بانتهاء القتل، بل استمرّت بصيغ أُخرى، أخطرها الإنكار.

وفي قراءة أوسع لتلك المرحلة، لم يكن السيف وحده أداة الإبادة، بل الجوع أيضًا، والتجويع المُمنهج، والترحيل القسري، والحصار الذي حوّل الحياة اليومية نفسها إلى وسيلة ضغط وإفناء. كما ارتبطت تلك المرحلة بسياسات اقتلاع واسعة عُرفت بـ ”سفر برلك”، أدّت إلى تهجير جماعي غيّر وجه المنطقة وديموغرافيتها.

بعد 111 عامًا، يبقى السؤال الجوهري: لماذا نستعيد هذه الذكرى اليوم؟

لأن الجرائم التي تُنكر لا تموت. ولأن الإبادة التي لا تُحاسب تتحوّل إلى نموذج قابل للتكرار. ولأن التاريخ، حين يُترك بلا عدالة، يعيد إنتاج نفسه بأشكال مُختلفة.
الاعتراف بهذه الإبادات ليس موقفًا سياسيًاعابرًا، بل فعل عدالة وضرورة أخلاقية. 

فالإنكار ليس حيادًا، بل امتداد للجريمة بوسائل أخرى، فيما تبقى الذاكرة الشكل الأول للمُقاومة في وجه المحو.

وفي شرقٍ لم يشفَ بعد من حروبه وتهجيراته، تبدو سيفو أكثر من ذكرى تاريخية؛ تبدو مرآة لزمن لم يغادره منطق الاقتلاع بالكامل. ما جرى قبل أكثر من قرن لا ينفصل عن تحوّلات لاحقة عرفتها المنطقة، حيث تبدّلت الأدوات وبقيت بعض النتائج ذاتها: الخوف، والتهجير، ومحاولات تغيير الوجود.

أما لبنان، فليس هامشًا في هذه الرواية. لم يكن فقط ملاذًا للناجين، بل تحوّل مساحة لإعادة بناء الحياة من تحت الركام. وفي السياق اللبناني، لا تُختزل هذه الذاكرة بكونها سردية ألم تخص جماعات بعينها، بل تتجاوز ذلك إلى كونها جزءًا من سؤال أوسع حول معنى المواطنة في بلد يقوم على التعدد. فوجود السريان والأرمن والآشوريين والكلدان واليونانيين في لبنان لم يكن مجرّد نتيجة لجوء أو نجاة، بل تحوّل إلى مُساهمة فعلية في بناء نسيجه الإجتماعي والثقافي والسياسي.

ومن هنا، تصبح ذكرى سيفو مدخلًا للتفكير في هُويّة لبنانية جامعة، لا تُبنى على إنكار الذاكرة أو تذويبها، بل على الاعتراف بها كجزء من الشراكة الوطنية. فالمواطنة ليست فقط انتماءً قانونيًا، بل أيضًا اعتراف متبادل بالحقّ في الذاكرة، وفي الاختلاف، وفي الرواية التاريخية لكل مكوّن من مكوّنات هذا البلد.

هنا أعاد السريان والأرمن والآشوريون صياغة حضورهم، لا كذاكرة ألم فقط، بل كجزء من نسيج بلد يقوم على التعدّد رغم كل أزماته.
ومن هنا، تصبح عبارة «نحن بقايا سيوف» أكثر من استعارة لغوية....إنها تعريف وجود.
نحن بقايا سيوف…

بقايا الذين مرّوا عبر المجزرة ولم يُسقطوا ذاكرتهم.

بقايا الذين حوّلوا الألم شهادة، والشهادة مسؤولية.

بقايا الذين رفضوا أن يُختزلوا إلى ضحايا في كتب التاريخ.

المجازر أرادت شعوبًا بلا أثر، فإذا بالأثر يتحول حضورًا.

أرادت صمتًا، فإذا بالذاكرة تصبح صوتًا.

أرادت نهاية، فإذا بالنجاة تتحوّل إلى بداية.

وهنا تكمن قوّة الذكرى.

فنحن لا نحيي "سيفو" لنرثي الماضي، بل لنحرس المستقبل..

لأن الشعوب التي تنسى مذابحها، تفتح الباب أمام تكرارها..

ولأن العدالة تبدأ من الذاكرة، لا من النسيان..

111 عامًا مرّت، وما زال الدم يطالب باسمه الحقيقي: إبادة.

لكن بعد كل هذا الزمن، ما زالت الذاكرة تقول:
لن ننسى..

لأن النسيان هو الموت الثاني للضحايا..

ولأن من نجا من السيف، لا يسلّم ذاكرته للنسيان..

نحن بقايا سيوف… والذاكرة لا تُذبح.
المنشورات ذات الصلة