عاجل:

"إبادة بيئية" في لبنان: الحرب لن تنتهي بانسحاب الطائرات

  • ٣٧
لا تقف حدود الحرب الإسرائيلية على لبنان عند وقف إطلاق النار أو انتهاء العدوان بشكل كامل، بل تترك خلفها مشهدًا بيئيًا مدمرًا يتكشف تدريجيًا، ويزداد مساره قسوة، بدأ منذ تشرين الاول 2023 حتى الحرب الحالية، في نمط تدميري واسع يطال الموارد الطبيعية ويهدد مستقبل البلاد البيئي والاقتصادي. 

الأضرار البيئية بالارقام 

كشف المجلس الوطني للبحوث العلمية ووزارة البيئة، أن العدوان أدّى إلى تدمير أكثر من 62 ألف وحدة سكنية خلال 45 يومًا فقط، بينها 21,700 وحدة دمّرت كليًا، فيما تضررت أكثر من 40 ألف وحدة أخرى. هذه الأرقام تشير إلى حجم الركام الهائل الذي تحوّل إلى مصدر تلوث طويل الأمد. 
لكن الصورة الأوسع تظهر في التقييم الوطني للأضرار بين 2023 حتى 2025، حيث تم تسجيل أكثر من 220 ألف وحدة سكنية مدمّرة أو متضررة، في ما وصفته وزارة البيئة بـ"إبادة حضرية وبيئية ممنهجة"، في توصيف لحجم الاضرار في الغابات والأراضي الزراعية، المياه وجودة الهواء.
 
كما تشير الأرقام الحكومية، والمنظمات الدولية مثل الاونيسكو وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، عن تضرّر ما بين 1,200 و1,900 هكتار من الغابات والأحراج، فيما امتد التأثير ليشمل نحو 13% من الغطاء الحرجي و16% من المراعي و17% من الأنظمة النهرية. 

وسجّلت مستويات تلوث مرتفعة في بعض المناطق، حيث بلغت تركيزات المواد الكيميائية ما بين 30 و50 ضعف المعدلات الطبيعية. 

بالتوازي، تسبّبت الحرائق والغارات في تدهور ملحوظ في جودة الهواء نتيجة انتشار الغبار والملوّثات. وتُقدَّر الكلفة البيئية الإجمالية لهذه الأضرار بأكثر من 500 مليون دولار وفق تقديرات عام 2026.
 
بيئة تحت القصف 

البيانات الرسمية تشير إلى أن الغارات والقصف، امتدت إلى النظم البيئية، فطالت الأضرار الغابات المتوسطية والأراضي الزراعية، مع تسجيل تلوث في التربة والمياه نتيجة القصف والمواد الحارقة (القنابل الفوسفورية). وهذه الأضرار تستمر لسنوات بسبب تراكم الملوثات الثقيلة وانتشارها في السلسلة الغذائية.
 
في الجنوب، حيث يعتمد الاقتصاد المحلي بشكل كبير على الزراعة، أدى التلوث إلى تراجع الإنتاج وفقدان مساحات زراعية واسعة، ما يهدد الأمن الغذائي المحلي ويزيد من هشاشة المجتمعات الريفية. 

الركام السام: قنبلة مؤجّلة 

هناك ملايين الأطنان من الأنقاض الناتجة عن تدمير المباني تحتوي على مواد خطرة مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة. وتشير التقارير إلى أن التعامل العشوائي مع هذه النفايات قد يؤدي إلى كارثة بيئية طويلة الأمد، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية لإدارة النفايات. 
والخطر يتضح أكثر بآلية نقل الركام أو ردمه دون معالجة علمية، حينها سيؤدي إلى تلوث المياه الجوفية، ما يضع نصف السكان تقريبًا أمام خطر صحي مباشر، خاصة في حال نقل الردم إلى مساحات قرب الاماكن السكنية.

المياه: البعد الأخطر

وترافق تدمير البنية التحتية مع أضرار كبيرة في شبكات المياه ومحطات المعالجة، ما أدى إلى تراجع الوصول إلى المياه النظيفة في مناطق واسعة، ومع غياب المعالجة، تتسرب الملوثات إلى الأنهار والمياه الجوفية، ما يفاقم خطر الأمراض ويحوّل الأزمة البيئية إلى أزمة صحية.

واختصرت وزارة البيئة نتائج التقييم بأنها "إبادة"، في إشارة إلى التدمير المتزامن للإنسان والمكان والموارد الطبيعية، ويؤكد هذا التوصيف أن ما جرى يتجاوز الأضرار التقليدية للحروب، ليطال قدرة البيئة نفسها على التعافي. 

ما بعد الحرب 

رغم وضوح حجم الكارثة، تكشف التقارير أن الاستجابة لا تزال محدودة، وأن غياب خطة وطنية متكاملة لإدارة الركام وإعادة تأهيل النظم البيئية قد يحوّل مرحلة إعادة الإعمار إلى عامل تفاقم إضافي للأضرار. 

وتشدد الدراسات والتحذيرات الأممية، على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة لمعالجة التداعيات البيئية للحرب، ترتكز على إدارة مستدامة للركام من خلال إعادة تدويره واستخدامه في مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب إطلاق برامج تشجير واسعة لاستعادة الغابات المتضررة. كما تؤكد أهمية إصلاح شبكات المياه ومعالجة مصادر التلوث، ودمج البعد البيئي ضمن السياسات الوطنية لإعادة الإعمار، بما يضمن تعافيًا مستدامًا. إضافة، إلى إعداد ملف حقوقي، ليكون تمهيدًا لملاحقة قانونية لإسرائيل على المستوى الدولي. 

بينما يمكن إعادة بناء المنازل خلال سنوات، فإن استعادة التربة والمياه والغابات قد تستغرق عقودًا، إن لم تُفقد نهائيًا.

في هذا السياق، يصبح السؤال الأساسي، هل سنبني على أسس بيئية مُستدامة، أم أن إعادة الإعمار ستعيد إنتاج الكارثة نفسها بصيغة مُختلفة؟.
المنشورات ذات الصلة