في اللحظة التي يتنفّس فيها العراق صعداء الانفراجة السياسية مع تسلم الأستاذ علي الزيدي رئاسة الهرم التنفيذي، يبرز السؤال الأهم "هل نحن أمام ولادة حقيقية لعقلية الدولة، أم أننا بصدد عملية تجميلية جديدة لوجه السلطة المنهك؟"
ولأن المقال لا يستقيم دون الاستناد إلى "الرادار" الذي لا يخطئ الترددات السياسية، حملنا تساؤلاتنا إلى السياسي المخضرم والمُنظر عزت الشابندر. لم تكن إجاباته لإيست نيوز، مجرد ردود عابرة، بل كانت تشريحًا لواقعٍ عراقي معقد، ووضعًا للنقاط على الحروف التي يحاول الكثيرون طمسها.
العراق أزمة جذور لا أزمة قشور
يضعنا الشابندر أمام حقيقة صادمة بجرأتها؛ "المشكلة في العراق ليست إقتصادية أو إدارية فحسب، إنما هي أعمق بكثير. وتمتد من تركة الدكتاتورية الغاشمة وصولاً إلى الغزو الأمريكي الذي لم يستهدف النظام فحسب، بل تعمد إسقاط هيبة الدولة ومؤسساتها."
وفي وسط إقليمي يغلي فوق فوهة بركان، يشيرالشابندر إلى أن "الرهان على خلفية الزيدي المالية والقانونية، رغم أهميتها، يظل رهانًا منقوصًا ما لم يدرك الجميع أننا نرمم كيانًا مهدمًا".
وبذكائه المعهود، وصف الشابندر السيد علي الزيدي بأنه "مرشح التسوية"، وهو الوصف الذي يحمل في طياته فرصة ونقمة في آن واحد، مضيفًا أنه "هو فرصة لإنهاء انسداد سياسي تجاوز الخمسة أشهر، دون مواجهة خطر التحول إلى أداة في صراع المحاصصة".
هنا، يضع الشابندر شرطين قاصمين لنجاح الزيدي، وهما في الحقيقة مانيفستوManifesto لإنقاذ ما تبقى، إذ يقول إن الشرط الأول هو أنه " لا يمكن للزيدي أن يبني دولة بينما تتحول كواليس الإطار التنسيقي والشركاء الآخرين إلى ساحة لتقاسم الغنائم والحقائب. إن لم يحظَ الزيدي بدعم حقيقي يتجاوز عقلية المغانم، فسيكون بمواجهة طواحين الهواء". وفي الثاني يشترط الشابندر "أن يحيط الزيدي نفسه بعقول حقيقية متخصصة، لا تخضع لمصالح الأحزاب. فنجاح الرئيس يبدأ من استقلالية فريقه، وقدرته على قول لا في وجه المحاصصة".
كلمة أخيرة.. قلمٌ يحاكي الواقع
إننا اليوم أمام مفترق طرق. علي الزيدي، بما يمتلكه من دبلوماسية حوار ورؤية لربط التعليم بسوق العمل، فإنه يملك المفتاح، لكن الباب لا يزال موصدًا بأقفال المحاصصة والترهل التاريخي.
بناءً على رؤية الشيخ عزت الشابندر، فإن نجاح الزيدي لا يقاس بما يحمله في حقيبته الوزارية من خطط، بل بما يمتلكه من إرادة صلبة لرفض شروط الضعف، وبما يقدمه الفرقاء من تنازلات لمصلحة الوطن لا مصلحة المكون.
العراق لا يحتاج إلى مسكّنات إدارية، بل إلى جراحة قيصرية تفصل بين مصلحة الدولة وشهوة السلطة، تمامًا كلبناننا.
فهل يكون الزيدي هو المبضع المنتظر؟ الأيام وحدها، ومدى استجابة القوى السياسية لبوصلة الشابندر، هي من سيجيب.
×