عاجل:

معاريف: تفكك "أوبك": فرصة إقتصادية وجيوسياسية دراماتيكية لإسرائيل

  • ٣٠

بقلم: البروفيسور يئير زيمون وعودي سورير

هذا الأسبوع، تلقت عبارة «النظام العالمي القديم مات» معنىً متجددا. فالإعلان الرسمي لاتحاد الإمارات عن الانسحاب من منظمة «أوبك زائد»، بعد عشرات السنين من العضوية ليس فقط قرارا اقتصاديا – فنيا بل إعلان استقلال استراتيجي يغير قواعد اللعب في سوق النقد، يؤثر على استقرار الأسعار العالمي، ويعيد تصميم ميزان القوى في الشرق الأوسط مع تداعيات مباشرة على إسرائيل.

كي نفهم عظمة الساعة، ينبغي النظر إلى تركيبة المنظمة عشية الانسحاب. منظمة «أوبك زائد» هي رفع مستوى الكارتل الأصلي الذي نشأ كي يضم قوى عظمى إنتاجية أخرى برئاسة روسيا. نواة «أوبك» تضم السعودية (الزعيمة الفعلية)، العراق، الكويت، اتحاد الإمارات المنسحبة، الجزائر، ليبيا، ايران، نيجيريا، الكونغو، جابون، غينيا الاستوائية وفنزويلا. الشركاء الخارجيون هم روسيا، كازخستان، المكسيك، عُمان، أذربيجان (موردة مركزية لإسرائيل)، البحرين، بروناي، ماليزيا، السودان وجنوب السودان.

منظمة الدول المنتجة للنفط التي تعرف باسم «أوبك» تأسست في 14 أيلول 1960. وتم تأسيس المنظمة في مؤتمر عقد في بغداد، العراق، بمبادرة الدول المؤسسة الخمس: ايران، العراق، الكويت، السعودية وفنزويلا. انضمت دولة اتحاد الإمارات العربية إلى منظمة «أوبك» في العام 1967. وكان هدف تأسيس المنظمة هو توحيد سياسة النفط للدول الأعضاء ولضمان أسعار مستقرة وعادلة لمنتجات النفط في ظل ضمان توريد منتظم للدول المستهلكة. المقر المركزي للمنظمة يوجد في فيينا، النمسا.

استعرضت السعودية قوتها في أعقاب حرب يوم الغفران في العام 1973 وقادت مقاطعة نفطية تاريخية هزت العالم. الدول العربية، أعضاء «أوبك»، قلصت الإنتاج وأوقفت تماما الإرساليات للدول التي دعمت إسرائيل في حرب يوم الغفران، ما أدى إلى ارتفاع بأربعة أضعاف في أسعار النفط العالمية في غضون اشهر معدودة. وتسببت المقاطعة التاريخية بركود عالمي عميق وغيرت مفهوم امن الطاقة في الغرب ما أدى إلى إقامة وكالة الطاقة الدولية (IEA) والبحث عن مصادر طاقة بديلة.

كانت منظمة «أوبك زائد» تحوز حتى وقت قصير مضى نحو 59% من إنتاج النفط العالمي، ما سمح له أن تملي الأسعار من خلال تقليص أو زيادة الإنتاج بالتنسيق. مغادرة اتحاد الإمارات، المنتجة الثالثة في أهميتها في المنظمة تسحب البساط من تحت أقدام قدرة التنسيق هذه.

لم يقع الانفجار بين أبو ظبي والرياض في يوم واحد. فقد استثمر اتحاد الإمارات في العقد المنصرم عشرات مليارات الدولارات في تطوير شبكات النفط لديها وفي رفع قدرة الإنتاج إلى نحو 5 مليون برميل يوميا. السقوف المتصلبة التي فرضتها «أوبك زائد» أجبرتها على أن تنتج اقل بكثير مما تستطيع ما مس بمردود الاستثمار وبقدرة تمويل رؤيا «اقتصاد المستقبل» للدولة.

وبينما حاولت السعودية بقيادة محمد بن سلمان الإبقاء على أسعار عالية (فوق 90 دولارا للبرميل) كي تمول مشاريع طموحة، دفعت اتحاد الإمارات نحو استراتيجية «البيع بأكبر قدر ممكن طالما كان النفط لا يزال مهما»، انطلاقا من الفهم أن عصر الطاقة الخضراء يقترب.

وبالطبع، النزاع في الشرق الأوسط. التوتر الأمني مع ايران والإغلاقات المتكررة في مضيق هرمز دفعت اتحاد الإمارات بأن تفهم أنها تحتاج إلى يد حرة للتوقيع على اتفاقات لتوريد ذاتي مع المستهلكين في الغرب ومع الشرق الأقصى دون أن تكون مقيدة بمصالح روسيا أو ايران في إطار منتدى المنظمة.

«ضغط لتخفيض الأسعار»

إن ترك اتحاد الإمارات هو رصاصة انطلاق لمنافسة عنيفة. فبدون التزام بالقيود من المتوقع لاتحاد الإمارات أن تضخ إلى السوق نحو مليون برميل آخر في اليوم في المدى القصير. عندما يعمل لاعب كبير كهذا وحده، من شأن السعودية وروسيا أن تردا بـ»إغراق مضاد» كي تحافظا على نصيبهما في السوق مما هو كفيل بأن يؤدي إلى انهيار الأسعار مثلما رأينا في 2014 وفي 2020.

دول أخرى كالعراق أو كازخستان تعاني هي الأخرى من القيود التي فرضتها السعودية، كفيلة بأن تسير في أعقاب اتحاد الإمارات. إذا تفكك «أوبك زائد»، فإن النفط سيتحول من بضاعة تسيطر عليها السياسة إلى بضاعة يقررها العرض والطلب فقط، ما سيؤدي إلى حراكات متطرفة.

في المدى الفوري، تدفع الحرب الإقليمية السعر إلى أعلى (في محيط 105 دولارات للبرميل، صحيح حتى اليوم)، لكن التفكك البنيوي لـ»أوبك زائد» سيخلق ضغطا لتخفيض الأسعار في المدى البعيد. بالنسبة لدولة إسرائيل يعد هذا حدثا ذا تداعيات اقتصادية وجيوسياسية دراماتيكية. فإسرائيل تعتمد أساسا على استيراد النفط الخام من أذربيجان، كازخستان، نيجيريا والبرازيل.

إن الارتفاع الأولي في الأسعار في أعقاب الحرب والهزة في «أوبك زائد» يبدو ملموسا جزئيا حاليا من اليوم، الأول من أيار، في جيب كل إسرائيلي في محطة الوقود. مع ذلك، إذا أدت الخطوة إلى منافسة حرة في سوق النفط العالمية، فإن إسرائيل كفيلة بأن تتمتع في المدى البعيد بأسعار مستقرة ومتدنية اكثر، ما يقلص غلاء المعيشة.

تخلق اتفاقات إبراهيم فرصة لإسرائيل لاتفاقات توريد بعيدة المدى مباشرة مع اتحاد الإمارات دون «وساطة» كارتل النفط. هذا ذخر استراتيجي من الدرجة الأولى. خروج اتحاد الإمارات من الإطار العربي – الروسي – السعودي يخلق مسيرة محتملة من تقرب إضافي للغرب ولإسرائيل، ويعمق التعاون الاقتصادي أيضا إلى مجالات الطاقة والبنى التحتية.

إن وجود خط أنبوب إيلات – عسقلان والممر البري إلى البحر المتوسط يصبحان اكثر جاذبية حين تعمل اتحاد الإمارات خارج «أوبك» ويسمحان بنقل النفط من الخليج عبر إسرائيل إلى أوروبا (التفافي قناة السويس والتفافي مضيق هرمز). كما أن «أوبك زائد» كانت أحد آخر الأماكن التي كان يمكن لإيران فيه أن تؤثر على سياسة دول الخليج. إضعاف المنظمة هو ضربة لقدرة النفوذ الاقتصادي لطهران.

إن ترك اتحاد الإمارات «أوبك زائد» ليس اقل من انهيار مفهوم يعود إلى 50 سنة. يدور الحديث عن انتقال من عالم كارتيلات ممركزة إلى عالم منافسة حرة، في ظل حرب إقليمية. بالنسبة لإسرائيل، هذا تحدٍ لإدارة أسعار في المدى القصير، لكنه فرصة هائلة لتثبيت مكانتها الطاقية والسياسية حيال شريك قرر المراهنة على المستقبل.

المنشورات ذات الصلة