عاجل:

لبنان بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التفاوض..

  • ٥٨

يمرّ لبنان بمرحلة بالغة الحساسية، تتشابك فيها الانقسامات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتقاطع عندها ضغوط خارجية متصاعدة مع تحديات داخلية معقّدة. وفي خضمّ هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى جملة من القرارات المصيرية التي باتت اللحظةُ الراهنة تفرضها، في ظل تصاعد التوترات على أكثر من جبهة.

الموقف السعودي ورسائل الاستقرار

كشفت زيارة الوفد السعودي الأخيرة إلى بيروت عن رسالة سياسية واضحة المعالم، مفادها أن رئيس الحكومة نواف سلام يؤدي دوره بنجاح، وأن استقرار الحكومة الحالية يمثّل ضرورة لا يمكن التفريط بها في هذه المرحلة. وأشارت المعطيات إلى أن أي تغيير حكومي مستبعد، وإن كان تعديل وزاري محدود قد يُطرح إذا اقتضت الضرورة ذلك. ويعكس هذا الموقف تمسّكاً خارجياً وداخلياً بحكومة تُعدّ الممرَّ الإلزامي لأي مسار إصلاحي أو تفاوضي جدي.

هدنة معلّقة وضغوط متصاعدة

لم يُترجَم ما يُسمّى "وقف إطلاق النار" على الجبهة الجنوبية إلى واقع فعلي على الأرض، إذ تواصلت الخروقات الإسرائيلية من قصف وعنف واحتلال، وباتت تُوظَّف كأداة ضغط لدفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. والأخطر في هذا السياق محاولةُ وضع رئيس الجمهورية أمام خيار اللقاء برئيس الوزراء الإسرائيلي على الأراضي الأمريكية، وهو ما يُشكّل نقطة ضعف استراتيجية، ويُحوّل لبنان من شريك في رسم مسار التفاوض إلى طرف متلقٍّ لشروط الطرف الآخر.

الدستور يحسم: من يملك قرار التفاوض؟

لا لبس في النص الدستوري اللبناني في هذا الشأن؛ إذ تنصّ المادة 52 صراحةً على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح نافذةً إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. فضلاً عن ذلك، توجب المادة إبلاغ مجلس النواب بالمعاهدات المبرمة، وتشترط موافقته المسبقة على كل معاهدة تتضمّن شروطاً تمسّ مالية الدولة.

وبناءً على ذلك، فإن أي مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل لا يمكن أن يكون قراراً فردياً، بل هو قرار الحكومة مجتمعةً، أي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء معاً. وهذا ما يفسّر الخلاف المستجدّ مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يرى ضرورة أن يمرّ أي تفاوض عبر قنوات تراعي التوازنات الداخلية، في حين يتمسّك "الثنائي" بتوجيه التفاوض عبر طهران لا عبر الدولة اللبنانية مباشرةً.

حصرية السلاح: قرار اتُّخذ وتحدّيات التنفيذ

على صعيد موازٍ، كان مجلس الوزراء قد أقرّ في جلستيه المنعقدتين في الخامس والسابع من أغسطس 2025 الأهداف الواردة في الورقة الأمريكية، وفي مقدّمتها تكريس السلطة الحصرية للدولة في قرارات الحرب والسلم، وحصر حيازة السلاح بالقوى الشرعية. كما كلّف مجلس الوزراء الجيشَ بإعداد خطة تنفيذية لهذا الغرض قبل نهاية العام.

غير أن تنفيذ هذا القرار يصطدم بعقبتين رئيسيتين: الخروق الإسرائيلية اليومية لوقف إطلاق النار، والانقسام الداخلي حول توقيت عملية نزع السلاح وآلياتها. وتبقى المعادلة قائمة: لا إعادة إعمار ولا مساعدات دولية قبل ترسيخ حصرية السلاح شمال الليطاني وجنوبه.

وتبقى الحقيقة

يجد لبنان نفسه أمام معادلة بالغة التعقيد: فرض السيادة الكاملة وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة وفق ما يوجبه الدستور والبيان الوزاري، في وقت تُمارَس فيه ضغوط خارجية لدفع رئيس الجمهورية نحو مفاوضات تتجاوز الأطر الدستورية، فيما يُوظَّف خرق وقف إطلاق النار ورقةً لإضعاف الموقف اللبناني على الصعيدين التفاوضي والداخلي.

في نهاية المطاف، لن يكون الخروج من هذا المأزق إلا بتوافق وطني حقيقي يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.

المنشورات ذات الصلة