عاجل:

وهمُ النصرِ الصلب

  • ٢٠


بقلم المحلل السياسي حيدر صبي


ما يبدو في ظاهرهِ ردًّا إيرانيًا مخيبًا للآمال، يخفي في عمقهِ بنيةً تحليليةً أكثر تماسكًا مما توحي بهِ الانطباعاتُ الأولى. فقراءةُ هذا السلوك لا تنفصل عن منظومةِ الافتراضات التي تحكمُ صانعَ القرار في طهران ، ولا عن السياقِ الاستراتيجي الأوسع الذي تتفاعلُ ضمنهُ القوى الإقليميةُ والدوليةُ

وعليهِ ، فإن تقييمَ هذا الردّ يظلُّ رهنًا بتحديدِ سقفِ التوقعاتِ المسبقةِ وطبيعةِ الأدواتِ المستخدمةِ في القياسِ.


لم تتغير الافتراضاتُ الأساسيةُ في طهران، ففي التصورِ الإيراني، ثمة قناعةٌ بأن ميزانَ المواجهةِ يميلُ لصالحها، وأن الطرفَ المقابلَ سيُجبَرُ على التراجعِ أولاً تحت وطأةِ الاستنزافِ الاقتصاديِّ المتراكمِ. كما تُبقي إيران على تقديرٍ مفادهُ أن الولاياتِ المتحدةَ لا تبدي استعدادًا حقيقيًا لتجديدِ الأعمالِ العدائيةِ ، وأن أيَّ تصعيدٍ محتملٍ لن يخرجَ عن حدودٍ يمكنُ احتواؤها مع امتلاكِ القدرةِ على إلحاقِ أضرارٍ إضافيةٍ مؤثرةٍ ، خصوصًا في محيطِ الخليج.


هذه الافتراضاتُ لم تبقَ ثابتةً فحسب ، بل تعززت خلال الأسابيعِ الأخيرةِ بفعلِ مؤشراتٍ ميدانيةٍ وسلوكيةٍ ، من بينها تجاهلٌ أمريكيٌّ ممتدٌّ للردِّ الإيراني ، وردودٌ محدودةٌ على استهدافِ قطعٍ بحريةٍ ، وغيابُ ردٍّ مباشرٍ على الهجماتِ التي طالت منشآتٍ وناقلاتٍ في بيئاتٍ إقليميةٍ حساسةٍ ، فضلاً عن تعليقِ عملياتِ إنقاذٍ مرتبطةٍ بأمنِ الطاقةِ . 

هذا النمط عزز إدراكًا إيرانيًا بأن هامشَ الحركةِ ما يزالُ متاحًا دون كلفةٍ رادعةٍ فورية.


في الوقتِ ذاتهِ، تُظهر إيران استعدادًا مبدئيًا للدخولِ في تسوياتٍ ، بما في ذلك الملفُّ النوويُّ ، غير أن هذا الاستعدادَ مشروطٌ بحزمةٍ من الضماناتِ الاقتصاديةِ والأمنية. فالشقُّ الاقتصاديُّ يرتبطُ بإعادةِ تأهيلِ الداخلِ عبر رفعِ العقوباتِ وتحريرِ الأصولِ المجمدةِ ، بينما يتمحورُ الشقُّ الأمنيُّ حول منعِ تكرارِ الهجماتِ مستقبلاً ، من خلال الحفاظِ على عناصرِ قوةٍ حيويةٍ ، في مقدمتها القدرةُ على التحكمِ بممراتٍ استراتيجيةٍ والاحتفاظُ بقدراتٍ ردعيةٍ ذاتِ طابعٍ نوويّ.


بناءً على ذلكَ ، لا تبدو إيران مستعدةً للتخلي عن أدواتِ الضغطِ الرئيسيةِ التي بحوزتها قبل التوصلِ الى تسويةٍ نهائيةٍ شاملةٍ . كما يُرجَّح أن تسعى الى انتزاعِ مكاسبَ اقتصاديةٍ ملموسةٍ في المراحلِ المبكرةِ لأيِّ اتفاقٍ؟ انطلاقًا من شكوكٍ عميقةٍ بإمكانيةِ ضمانِ تحقيقِ هذه المكاسبِ في مراحلَ لاحقةٍ. كذلكَ ، لا يظهر استعدادٌ لتفكيكِ البنى الحيويةِ ، ولا سيما المرتبطةُ بالبنيةِ التحتيةِ النوويةِ ، بصورةٍ تحولُ دون إمكانيةِ إعادةِ تفعيلِها مستقبلاً على الرغم مما سمعناه من الرئيس الأمريكي من أن إيران مستعدة لتسليم اليورانيوم المشبع شرط استخراجه من قبل أميركا ، وقبل أن يقلب الطاولة وكما في كل مرة ليردف جملته بالقول "إيران تتفق مع واشنطن ومن ثم تتراجع" وهذا يؤكد أن إيران لازالت تتلاعب بترمب .


إن استمراريةَ هذه المقاربةِ تبدو مرجحةً حتى تحت ضغطِ العقوباتِ أو في حالِ تجددِ الضرباتِ العسكريةِ ، إذ يُظهر السلوكُ الإيرانيُّ ميلاً تاريخيًا لتفضيلِ خيارِ المواجهةِ على الامتثالِ للإملاءاتِ الخارجيةِ. ويزدادُ هذا الاتجاهُ وضوحًا في ظلِّ تشكُّلِ مراكزِ قرارٍ أكثر صلابةً داخلَ النظامِ ، حيث تتقاطعُ أدوارُ القياداتِ غيرِ المعلنةِ مع نفوذِ المؤسستينِ الأمنيةِ والعسكريةِ في صياغةِ الاستجاباتِ الاستراتيجية.


في المقابلِ ، تجدُ الولاياتُ المتحدةُ نفسها أمامَ مجموعةٍ محدودةٍ من الخياراتِ المعقدة.

يتمثلُ الخيارُ الأولُ في الاستمرارِ بالضغطِ الاقتصاديِّ رغم الإدراكِ المتزايدِ لقدرةِ إيران على امتصاصِ آثارِ الحصارِ لفتراتٍ غيرِ قصيرة.

أما الخيارُ الثانيُ فيتجسدُ في تنفيذِ ضرباتٍ إضافيةٍ تستهدفُ البنيةَ التحتيةَ الحيويةَ بهدفِ تعقيدِ مسارِ التعافي ، مع غيابِ ضماناتٍ حقيقيةٍ لتغييرِ حساباتِ القيادةِ الإيرانيةِ.


فيما الخيارُ الثالثُ ينطوي على قدرٍ من التكيفِ مع الشروطِ الإيرانيةِ، من خلال تثبيتِ وقفِ إطلاقِ النار، وتنظيمِ ترتيباتٍ تتعلقُ بالممراتِ الاستراتيجيةِ مقابلَ تخفيفِ القيودِ الاقتصاديةِ وتقديمِ حوافزَ فوريةٍ، مع تأجيلِ الملفاتِ الأكثرَ تعقيدًا.

في حين يتمثلُ الخيارُ الرابعُ في الانخراطِ في مسارٍ عسكريٍّ أوسعَ ينطوي على مخاطرَ مرتفعةٍ، بهدفِ تقليصِ عناصرِ القوةِ الإيرانيةِ، سواءٌ تلك المرتبطةُ بالتحكمِ بالممراتِ الحيويةِ أو القدراتِ ذاتِ الطبيعةِ النوويةِ .

المنشورات ذات الصلة