بقلم الكاتب الصحفي والمحلل الاستراتيجي المختص في السياسات الإقليمية والدولية حيدر صبي
تقرير خاص لإيست نيوز
في توقيت شديد الحساسية، ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية، بثت القناة 14 الإسرائيلية تقريرا مصورا أثار جدلا واسعا داخل العراق، بعدما ظهر فيه صحفي يهودي متشدد يتجول بحرية داخل بغداد وكربلاء والنجف، ويوثق لقاءات مع مواطنين وعناصر أمنية دون أن يكشف هويته الحقيقية.
الصحفي الإسرائيلي اليهودي الحريدي يدعى "يتسحاق هوروفيتز" (Yitzhak Horowitz)، وهو كاتب ومؤرخ يعمل مع وسائل إعلام دينية إسرائيلية، وقد ظهر في التقرير مرتديا الزي الخليجي والعراقي التقليدي، متنقلا بين المدن العراقية، في مشهد وصفه مراقبون بأنه "اختراق أمني وإعلامي خطير".
وبحسب ما نشرته القناة 14 الإسرائيلية، فإن "هوروفيتز" دخل العراق بهوية غير إسرائيلية، على الأرجح عبر جواز أوروبي أو أمريكي، وهو أمر يكاد يكون حتميا نظرا لعدم وجود علاقات رسمية بين بغداد وتل أبيب، وتجريم القانون العراقي لأي تعامل مع إسرائيل أو دخول الإسرائيليين إلى البلاد.
التقرير الذي بثته القناة بتاريخ 6 أيار 2026 تضمن مشاهد من بغداد والنجف وكربلاء، إضافة إلى مقابلات وحديث مباشر مع مواطنين وعناصر مسلحة دون علمهم بحقيقة هوية الصحفي.
كما أظهر لقطات داخل مناطق دينية شديدة الحساسية، مع تعليق عبري يصف تلك المناطق بأنها "مراكز النفوذ الإيراني في العراق".
وفي تقرير ثان نشرته القناة بتاريخ 9 أيار 2026، عاد "هوروفيتز" للحديث عن "آثار اليهود العراقيين" والمعابد والمقابر اليهودية القديمة داخل بغداد، في محاولة واضحة لربط العراق مجددا بالسردية اليهودية التاريخية.
على الرغم من خطورة دخول صحفي إسرائيلي متخف إلى العراق، فإن الخطر الأكبر يكمن في الرسائل السياسية والأمنية التي حاول التقرير إيصالها.
فالقناة الإسرائيلية تعمدت إظهار العراق كبيئة رخوة أمنيا، يمكن اختراقها بسهولة حتى من قبل شخص يحمل خلفية دينية وإعلامية مرتبطة بإسرائيل، ويتحرك قرب مواقع دينية وأمنية دون اكتشافه.
يأتي هذا التقرير بعد أسابيع فقط من تقارير دولية كشفت معلومات صادمة حول نشاط استخباري إسرائيلي داخل العراق، أبرزها ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" بشأن وجود بنية عملياتية إسرائيلية مرتبطة بمراقبة التحركات الإيرانية في المنطقة، ووجود تعاون لوجستي واستخباري غير مباشر داخل بعض المسارات الحدودية والإقليمية.
الربط بين تقرير القناة 14 وما كشفته الصحافة الأميركية لا يبدو منفصلا. فالتقرير الإسرائيلي لم يكن مجرد "رحلة صحفية"، بقدر ما مثله من رسالة مركبة تحمل أبعادا استخبارية ونفسية وسياسية، هدفها القول إن العراق بات مكشوفا، وإن الوصول إلى عمقه الاجتماعي والديني والأمني أصبح ممكنا.
وهنا تبرز أسئلة قاسية حول الأداء الحكومي العراقي، خصوصا في الجانب الأمني والاستخباري:
* كيف تمكن صحفي مرتبط بوسيلة إعلام إسرائيلية من دخول البلاد والتنقل بين مدن حساسة والتصوير لساعات، وربما أيام، دون اكتشافه؟
* أين كانت إجراءات التدقيق الأمني؟
* كيف يمكن لشخص أجنبي أن يجري حوارات قرب مراقد ومناطق أمنية دون إثارة الشبهات؟
إن ما حدث يعكس، بحسب مراقبين، خللا عميقا في:
* منظومة التدقيق الحدودي.
* التنسيق الاستخباري بين الأجهزة.
* متابعة الأجانب الداخلين بصفات إعلامية أو سياحية.
* هشاشة الرقابة الميدانية داخل المدن الحساسة.
كما يكشف أيضا عن أزمة أعمق تتمثل في "التشظي الأمني" داخل العراق، حيث تتوزع مراكز القرار بين أجهزة متعددة وقوى متداخلة، ما يخلق فراغات يمكن استغلالها استخباريا.
الأمر لا يتعلق فقط بإسرائيل، بل بمفهوم السيادة نفسه. فحين تستطيع جهة إعلامية مرتبطة بدولة معادية أن تنتج تقريرا من قلب بغداد والنجف وكربلاء دون علم السلطات، فإن ذلك يعني أن معركة الاختراق لم تعد نظرية، بل أصبحت واقعا موثقا بالصوت والصورة.
وفي ظل التصعيد الإقليمي الحالي، فإن استمرار هذا الضعف قد يجعل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الاستخبارية والدولية، خصوصا مع تزايد الحديث عن الحرب الخفية بين إسرائيل وإيران داخل الجغرافيا العراقية.