عاجل:

أقساط بلا سقف وشهادات بلا قيمة: أي مستقبل نُعدّ لأبنائنا؟

  • ٢٥
مع اقتراب نهاية العام الدراسي، يعود ملفّ الأقساط المدرسية إلى الواجهة من جديد، وكأنه موعد ثابت لا يتغيّر. ليس في الأمر مُفاجأة، فهذا الملف بات يتكرّر سنويًا، لكن ما تغيّر هذه المرّة هو حدّة الأرقام واتساع الهوّة بين ما تستطيع العائلات تحمّله وما تفرضه إدارات المدارس.

خمسون في المئة زيادة. رقم لا يأتي من تقرير اقتصادي، بل من فاتورة يفتحها وليّ أمر الطالب، فيجد نفسه أمام واقع لا يشبه ما كان عليه قبل عام. يقلب الورقة أكثر من مرّة، علّه يجد خطأً حسابيًا، لكنه لا يجد سوى سؤال واحد يتكرّر: كيف يمكن تدبير هذا العبء؟

عدد من الأهالي لجأ إلى القضاء، حيث صدرت بعض الأحكام بتجميد الزيادات. غير أن هذه الخطوة، على أهمّيتها، تبقى مُعالجة موضعية لخلل أعمق بكثير. فالإشكالية ليست في مدرسة بعينها، بل في غياب إطار واضح ينظّم هذا القطاع ويضع سقفًا عادلًا للأقساط في بلد ينهك أهله اقتصاديًا.

في المُقابل، لا تُنكر إدارات المدارس حجم الأعباء التي تتحمّلها، إذ ارتفعت الكلفة التشغيلية بشكل كبير، بدءًا من الرواتب والأجور التي تضاعفت، وصولًا إلى فواتير الكهرباء الباهظة، فضلًا عن تكاليف الصيانة والمُستلزمات التعليمية.

وتزداد الأزمة تعقيدًا في بعض المناطق، حيث اضطرت مدارس خاصة إلى استئجار مبانٍ إضافية لمُتابعة العام الدراسي بعدما تعذّر استخدام مقارّها الأساسية، ما رتّب عليها أكلافًا تشغيلية جديدة ارتفعت معها النفقات بشكل ملحوظ. كما أنّ بعض الإدارات لا تزال عاجزة حتى اليوم عن تقييم حجم الأضرار التي لحقت بمدارسها، وسط ظروف استثنائية فرضتها تداعيات أزمة النزوح الأخيرة، الأمر الذي يضاعف الضبابية حول مستقبل العديد من المؤسسات التعليمية.

لكن، في الجهة المُقابلة، تقف العائلات أمام واقع أكثر قسوة، مع دخول ثابتة تتآكل تدريجيًا، ومصاريف تتضاعف، وخيارات تكاد تكون معدومة.

وفي خضمّ هذا المشهد، جاءت القرارات الأخيرة التي أعلنتها وزيرة التربية ريما كرامي بشأن الامتحانات الرسمية لتؤكد حجم الأزمة التي يعيشها القطاع التربوي. فاعتماد تقليص واسع للمناهج، وإقرار ثلاث دورات مُتتالية للامتحانات، وإلغاء الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة، كلها خطوات تعكس واقعاً استثنائياً فرضته تداعيات الحرب والنزوح والاضطرابات الأمنية. ورغم أنّ هذه الإجراءات تهدف إلى مُراعاة أوضاع الطلاب والتخفيف من الضغوط النفسية والتعليمية، إلا أنها في الوقت نفسه تكشف حجم التحديات التي باتت تضرب بنية التعليم في لبنان، من المدرسة الرسمية إلى الخاصة، وسط خوف متزايد من تحوّل الحلول المؤقتة إلى واقع دائم يهدّد جودة التعليم ومستقبل الأجيال.

بين هذين الواقعين، تغيب الدولة أو تكاد. وغيابها في ملفّ التعليم تحديدًا ليس تفصيلاً، بل هو جوهر الأزمة. لأننا أمام قطاع يفترض أن يكون من بين الأكثر تنظيمًا وحساسية، باعتباره يمسّ مستقبل جيل كامل لا ذنب له في كل هذا الخلل الحاصل.

لبنان الذي لطالما قدّم نفسه كبلد التعليم والجامعات والمدارس الذي يشتهر بنظامه التربوي الرائد والعريق. عُرفت عاصمته بـ "باريس الشرق الأوسط"، يجد نفسه اليوم أمام مشهد مُختلف تمامًا: عائلات تتنقّل بين المحاكم ومحاولات التسوية فقط لتأمين بقاء أولادها على مقاعد الدراسة. وهذه وحدها كفيلة بتلخيص حجم الأزمة.

المطلوب ليس مُعجزة، بل قرار. قانون واضح، رقابة فعلية، وحوار جدي يضع حداً لفوضى الأقساط، ويعيد التوازن بين حق المدرسة في الاستمرار وحقّ الأهل في القدرة على الدفع. أما استمرار الواقع على ما هو عليه، فلن يؤدّي إلا إلى مزيد من الانقسام داخل المُجتمع التعليمي، ومزيد من الضغط على الأسر التي باتت على شفير الإنهيار.

وفي النهاية، حين تصبح المدرسة عبئاً بدل أن تكون فرصة، يصبح السؤال أكبر من الأقساط نفسها: أي مستقبل نُعدّ لأبنائنا؟
المنشورات ذات الصلة