عاجل:

الحرب على إيران تشعل التضخم حول العالم وتعصف بأسواق السندات

  • ١١

تتسع تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتشمل الاقتصادات الكبرى والأسواق المالية العالمية، مع انتقال أثر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد إلى معدلات التضخم وأسواق السندات والعملات، ما يعزز المخاوف من موجة تضخمية جديدة تضغط على النمو العالمي والسياسات النقدية.

وتعكس المؤشرات الاقتصادية الأخيرة تصاعد تأثير الحرب على الاقتصادات المستوردة للطاقة، في وقت تواجه فيه البنوك المركزية معضلة الموازنة بين احتواء التضخم ودعم النمو، وسط اضطرابات في التجارة والطاقة والتمويل العالمي.

الولايات المتحدة

وسجل التضخم الأميركي خلال نيسان ارتفاعا إلى 3.8%، وهو أعلى مستوى منذ العام 2023، مدفوعا بارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية والإيجارات وتذاكر السفر، مقارنة بمستويات كانت تدور قرب 2% بنهاية 2025.

وأدى ارتفاع الأسعار إلى تراجع الأجور الحقيقية للمرة الأولى منذ العام 2023، بينما أظهرت استطلاعات الاحتياطي الفدرالي أن 91% من الأميركيين يعتبرون التضخم أكبر مصدر قلق مالي.

كما ارتفعت المخاوف المرتبطة بسوق العمل، إذ قال 42% من الأميركيين، إنهم قلقون بشأن العثور على وظيفة أو الحفاظ عليها، مقارنة بـ37% في 2024.

وأطلقت أسواق السندات العالمية إشارات مقلقة بشأن موجة تضخم جديدة قد تضرب الاقتصاد الأميركي، ما ينذر بتداعيات أوسع على تكلفة الاقتراض ومعيشة المستهلكين، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة.

وحذر خبراء من أن تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة قد تضرب الاقتصاد الأميركي من زاويتين في آن واحد، مع استمرار الحرب في إيران وبقاء أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وهو ما انعكس سريعاً على تحركات أسواق السندات.

وخلال الأيام الأخيرة، أقبل المستثمرون على بيع السندات الحكومية طويلة الأجل في الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات المتقدمة، مدفوعين بمخاوف من تسارع التضخم، ما أدى إلى ارتفاع العوائد، وعلى رأسها عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات الذي صعد بنحو 24 نقطة أساس خلال أسبوع واحد ليقترب من 4.6%.

ويحمل هذا المؤشر تحديداً أهمية كبيرة، إذ يؤثر مباشرة على تكلفة الرهون العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، ما يعني أن أي ارتفاع فيه يترجم سريعاً إلى ضغوط مالية على الأفراد، علماً بأن تحديده يتم عبر السوق وليس بقرار مباشر من الاحتياطي الفيدرالي.

يرى نائب رئيس شركة "PGIM" وكبير اقتصادييها، داليب سينغ، أن ما يحدث يعكس تداخلاً معقداً بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة والديون العالمية.

وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة "صدمة عرض مستمرة"، بدأت مع جائحة كورونا مروراً بالحرب في أوكرانيا وتقييد التجارة والهجرة، وصولاً إلى التصعيد الأخير مع إيران، ما يرسخ بيئة تضخم مرتفعة بشكل هيكلي، وفقاً لما ذكره لشبكة "سي إن بي سي".

ورغم تعيين كيفن وورش، المعروف بتوجهاته المحافظة، على رأس الاحتياطي الفيدرالي، فإن سينغ يستبعد في الوقت الحالي أي خفض للفائدة، معتبراً أن أولوية البنك المركزي يجب أن تظل الحفاظ على مصداقيته واستقلاليته في ظل الضغوط السياسية المتزايدة.

وفي تقييمه لأسواق السندات، ربط سينغ بين ارتفاع العوائد واستمرار العجز المالي الحكومي، إلى جانب تردد البنوك المركزية في تشديد السياسة النقدية بشكل كافٍ. وأضاف، إن هذه العوامل تدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى لتعويض المخاطر، سواء المرتبطة بالتضخم أو الأوضاع المالية.

وحذر من أن استمرار هذا المسار قد يدفع عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز مستوى 5%، وهو سيناريو يصفه بأنه محتمل على المدى القريب، في ظل ما يعرف بظاهرة "حراس السندات" الذين يعاقبون السياسات المالية التوسعية عبر البيع المكثف.

لكن في المقابل، يرجح سينغ أن تتدخل الحكومة الأميركية في حال سجلت العوائد ارتفاعات حادة ومستدامة، عبر أدوات مثل تقليص آجال استحقاق الدين أو إعادة شراء السندات أو حتى التنسيق مع الاحتياطي الفيدرالي للتدخل في السوق، وهي خطوات تندرج ضمن ما يعرف بـ"القمع المالي"، أي إبقاء الفوائد منخفضة بشكل مصطنع لتخفيف عبء الدين.

أوروبا

وتعرضت السندات الحكومية البريطانية لضغوط حادة، إذ قفز عائد السندات لأجل 30 عاما إلى 5.86%، وهو أعلى مستوى منذ العام 1998، وسط مخاوف المستثمرين من ارتفاع التضخم واحتمال توسع الإنفاق الحكومي.

وفي فرنسا، ارتفع معدل البطالة إلى نحو 8%، وهو أعلى مستوى في خمس سنوات، ما يعكس ضعف ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو مع تصاعد تكاليف الطاقة وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

كما أظهرت استطلاعات "بلومبرغ" أن غالبية الاقتصاديين يتوقعون رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين خلال العام الجاري، مع استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالحرب وارتفاع أسعار الطاقة.

ورغم تسجيل الاقتصاد البريطاني نموا بنسبة 0.6% في الربع الأول، يحذر اقتصاديون من أن استمرار الحرب قد يهدد الزخم الاقتصادي خلال النصف الثاني من العام.

آسيا

وشهدت الصين تسارع تضخم أسعار المنتجين إلى أسرع وتيرة منذ العام 2022، ليتحول إلى نمو إيجابي يقارب 2% على أساس سنوي، بينما ارتفع التضخم الاستهلاكي إلى نحو 1.2% خلال نيسان.

وفي اليابان، عادت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى الارتفاع، إذ تجاوز عائد السندات لأجل 40 عاما مستوى 4%، مع استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والطاقة.

أما في كوريا الجنوبية، فقد ارتفعت قروض الهامش المستخدمة في شراء الأسهم إلى أكثر من 35 تريليون وون (25.6 مليار دولار)، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، مدفوعة بموجة صعود قوية في سوق الأسهم.

وفي الهند، بقي النفط الخام أكبر واردات البلاد بقيمة بلغت 174 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، تليه الإلكترونيات بقيمة 116 مليار دولار، ثم الذهب عند 72 مليار دولار، ما يعكس حجم تعرض الاقتصاد الهندي لصدمات الطاقة والتجارة العالمية.

الاقتصادات الناشئة

وانكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 0.2% خلال الربع الأول على أساس سنوي، مسجلا أول انكماش منذ العام 2023، في ظل استمرار العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا.

وفي كوبا، ارتفعت مساهمة القطاع الخاص تدريجياً ليقترب من 40% من إجمالي العمالة، مع تفاقم أزمة الغذاء والوقود واعتماد الاقتصاد بشكل متزايد على الأنشطة غير الحكومية.

وتتزامن تلك المعطيات مع ارتفاع مؤشر ضغوط سلاسل الإمداد العالمية خلال نيسان إلى أعلى مستوى منذ تموز 2022، في إشارة إلى عودة الاختناقات التجارية واللوجستية المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، بحسب بيانات بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك.

المنشورات ذات الصلة