عاجل:

من ملاعب كولومبيا إلى صخور قنوبين: رحيل الناسك الذي هرب من العالم ليجد الله في لبنان..

  • ٤٢
في صمت وادي قنوبين، حيث تتعانق الصخور مع الصلوات القديمة وعبق البخّور، رحل الأب الحبيس داريو اسكوبار، تاركًا خلفه سيرة استثنائية لرجل اختار أن يدفن العالم داخله قبل أن يدفن جسده في تراب الوادي المقدّس.

لم يكن مُجرّد راهب ناسك عاش في محبسة معزولة شمال لبنان، بل قصة إنسان هرب من ضجيج الحياة الحديثة، ومن المال والشهرة، ليبحث عن سلام داخلي وجده بين الأجراس الحجرية والصلوات الصامتة.

الأب داريو اسكوبار، الكولومبي الأصل، توفّي عن عمر ناهز 92 عامًا، بعدما أمضى القسم الأكبر من حياته في لبنان، مُتنقّلًا بين الأديرة والمحابس، إلى أن استقر في محبسة مار بولا في وادي قاديشا، حيث عاش سنواته الأخيرة في عزلة شبه تامّة، مكتفيًا بالصلاة والتأمل والتقشف.

لكن حياة الرجل لم تبدأ داخل جدران الأديرة. ففي شبابه، كان اسكوبار لاعب كرة قدم في كولومبيا، البلد الذي لطالما ارتبط اسمه بالعنف وتجارة المخدرات. كرة القدم بالنسبة إليه لم تكن مجرّد رياضة، بل محاولة للنجاة من واقع قاسٍ كان يبتلع أبناء مدينته ميديلين، المدينة التي عُرفت في ثمانينيات القرن الماضي بأنها إحدى أكثر مدن العالم خطورة.

لاحقًا، انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث عمل في مجال علم النفس والاستشارات الزوجية، وعاش حياة مريحة ماديًا، إلا أن الرفاهية لم تمنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها. كان يقول إن المال لم يجلب له السعادة، بل زاده قلقًا وأسئلةً داخلية لم يجد لها جوابًا.

في بداية التسعينيات، اتخذ القرار الذي غيّر حياته بالكامل. تحدث يومها عن “نداء إلهي” شعر به يدفعه إلى ترك كل شيء وراءه. تخلى عن العمل، وعن الحياة الاجتماعية، وعن العالم بأسره، واتجه إلى لبنان بعد تعرّفه إلى راهب ماروني حدثه عن وادي قاديشا والنساك الذين عاشوا فيه منذ قرون.

وصل إلى لبنان عام 1990، ومنذ ذلك الوقت، انقطع تقريبًا عن أخبار العالم. لم يعد يتابع كرة القدم التي عشقها يومًا، ولم يشاهد أي بطولة كأس عالم بعد مونديال إيطاليا 1990. اختار العزلة الكاملة، مُبتعدًا عن التلفزيون والهاتف والإنترنت، مُكتفيًا بسرير بسيط، وصليب، وشمعة، وبعض الكتب الروحية.

كان الزوار الذين يقصدونه في محبسته يخرجون بانطباع واحد: رجل وجد سلامه الحقيقي. بابتسامته الهادئة وعينيه الضاحكتين، كان يكرر أن الإنسان لا يحتاج إلى الكثير ليعيش سعيدًا، وأن العزلة ليست هروبًا من الحياة، بل طريق لفهمها بصورة أعمق.

وعلى الرغم من انقطاعه عن العالم، تحوّل الأب داريو إلى وجهة روحية للعديد من المؤمنين والحجاج الذين كانوا يقصدون وادي قنوبين طلبًا للصلاة أو المشورة أو حتى لاكتشاف سر ذلك الرجل الذي ترك كل شيء بإرادته. بعضهم كان يعتقد أنه يمتلك قدرات روحية خارقة، فيسألونه عن المستقبل والعمل والزواج، لكنه كان يواجه تلك الأسئلة ببساطة الناسك الذي اختبر هشاشة الحياة، مؤكدًا أن الإيمان لا يقوم على قراءة الغيب، بل على الثقة بالله.

برحيل الأب داريو اسكوبار، يخسر وادي قنوبين واحدًا من آخر النسّاك الذين جسّدوا الحياة التأملية بأكثر صورها قسوة وصفاءً. رجلٌ ترك الملاعب والمال والمدن الصاخبة، واختار أن يعيش وحيدًا بين الصخور، ليصبح اسمه جزءًا من ذاكرة الوادي الذي احتضن عبر القرون رجالًا قرّروا أن يتركوا العالم بحثًا عن الله.
المنشورات ذات الصلة