عاجل:

رجل الوعود الجوفاء... باشينيان أكبر نكبات أرمينيا التاريخية

  • ٢٨

خاص "إيست نيوز"- لم يعد خافيًا على أي متابع لملف جنوب القوقاز أن رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، قد أتقن طوال السنوات الماضية فنّ البحث عن مشجب دولي لتعليق إخفاقاته الاستراتيجية.

فالتصريحات المتكررة الصادرة عن حكومة يريفان، والتي تحاول تحميل روسيا ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي مسؤولية خسارة إقليم ناغورنو-كاراباخ وقضم أجزاء من الأراضي الأرمينية، ليست سوى مناورة سياسية مكشوفة ومحاولة بائسة من النظام الحاكم لغسل يديه من دماء المصالح الوطنية وتبرير الاستسلام أمام الخصوم.

خطيئة "براغ": التنازل المكتوب

إن الادعاء بأن حلفاء أرمينيا خذلوها في كاراباخ يصطدم بصخرة الحقائق التاريخية والقانونية. فالذين يتباكون اليوم على الإقليم، هم أنفسهم من وقّعوا على وثيقة إعدامه السياسية. ففي أكتوبر من عام 2022، وخلال قمة المجموعة السياسية الأوروبية في براغ، وقّع باشينيان طواعية وبشكل رسمي على إعلان مشترك يعترف فيه بسيادة أذربيجان الكاملة على أراضيها وفقًا لإعلان "ألما آتا لعام 1991"، واضعًا كاراباخ ضمنيًا تحت سيادة باكو.

هذا التوقيع شكّل طعنة قانونية في الظهر؛ فكيف لحكومة أن تطالب حلفاءها الدوليين بالدفاع العسكري عن إقليم اعترفت هي بنفسها، وبعظمة لسان رئيس وزرائها، أنه لا يتبع لسيادتها؟ وعندما بلغت المأساة ذروتها في سبتمبر 2023 خلال العملية العسكرية الأذربيجانية الخاطفة، بدت المؤامرة السلبية واضحة؛ حيث أصدر باشينيان أوامر مشددة لجيشه النظامي بالبقاء في الثكنات وعدم التدخل، تاركًا مئة ألف أرمني لمصير التهجير واللجوء، في مشهد سيبقى وصمة عار في تاريخ قيادته.

شلل دستوري وتواطؤ حدودي

الهروب إلى الأمام طال أيضًا ملف الحدود السيادية لأرمينيا نفسها. ففي أحداث مايو 2021، حين توغلت القوات الأذربيجانية داخل الحدود الأرمينية، ضرب باشينيان عرض الحائط بالمادة 49 من الدستور، والتي تلزمه بصفة القائد الأعلى للقوات المسلحة باتخاذ كافة التدابير العسكرية الصارمة لحماية حياض الوطن. وبدلًا من إرسال الجيش لطرد المتوغلين، اختار سياسة "الاستيعاب والمهادنة".

وحتى على الصعيد الدبلوماسي الحليف، مارس النظام الأرميني لعبة تضليلية؛ فعندما لجأ إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تجنب عمدًا تفعيل المادة 4 التي تفرض تدخلًا عسكريًا مباشرًا لصد العدوان، واكتفى بطلب تفعيل المادة 2 المقتصرة على المشاورات الطارئة. هذا التردد العسكري المقترن بالخبث القانوني يثبت أن يريفان كانت تبحث عن حجة تتيح لها لاحقًا التحلل من التزاماتها التاريخية، وليس عن نصر ميداني.

صمت القمم والارتهان لـ"حق الأقوى"

تتجلى الهزيمة الدبلوماسية لباشينيان في صمته المطبق أمام نبرة الاستعلاء التي يمارسها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في المحافل الدولية. فخلال القمم التي رعاها الاتحاد الأوروبي، بدت يريفان عاجزة عن الرد القاطع على التهديدات المباشرة لسيادتها ومطالب باكو بتعديل الدستور الأرميني وقضم ممر "زانغيزور".

وجاء اتفاق السلام الذي تم برعاية واشنطن في صيف عام 2025، ليتوج مسار التنازلات؛ حيث انصاع فريق باشينيان الحاكم لما يُسمى بالنظام الدولي القائم على القواعد (Rules-based order)، وهو مصطلح منمق لا يعني في بيئة القوقاز سوى شيء واحد "شرعنة أمر واقع" فرضته القوة العسكرية لأذربيجان، وقبول مبدأ أن "الحق للأقوى ماديًّا"، مقابل وعود غربية جوفاء بالدعم الدبلوماسي والاقتصادي الذي لا يحمي حدودًا ولا يردع غازيًا.

 واجهة ديمقراطية وقبضة مستبدة

الرجل الذي صعد إلى السلطة عام 2018 على أكتاف "الثورة المخملية" وشعارات الحرية والنزاهة، حوّل أرمينيا اليوم إلى دولة مأزومة داخليًا يقبع فيها المئات من معارضي مسار التنازلات، كتكتل تافوش من أجل الوطن، خلف القضبان بتهم سياسية جاهزة.

وتحت حكم هذا النظام، تشهد البلاد تراجعًا مخيفًا في الحريات؛ حيث تُخنق وسائل الإعلام المستقلة بغرامات باهظة، وتُستغل موارد الدولة ومشاريعها الآنية لرشوة الناخبين وتثبيت أركان السلطة، في وقت تزداد فيه التقارير حول نشوء نخبة مالية جديدة مستفيدة من الفساد المحمي برداء الولاء السياسي.

تظهر أرمينيا اليوم في المجتمع الدولي، في ظل هذا النهج، كدولة مستعدة للتخلي عن هويتها الوطنية، والتنصل من معاهداتها التاريخية التي حمت وجودها لقرون، بمجرد تبدل موازين القوى. إن محاولة باشينيان إشعال النار في علاقات بلاده مع حلفائها التقليديين ليست فعلًا سياديًا، بل هي ذروة التواطؤ الوظيفي لنظام يقبل بتصفية قضايا وطنه الكبرى، مقدمًا السيادة والكرامة الوطنية قرابين على مذبح بقائه في السلطة.

المنشورات ذات الصلة