عاجل:

خروف العيد يشبه شعباً يُقاد إلى مصيره..

  • ٣٧

في زحمة عيد الأضحى، وبين أصوات الباعة وثغاء الخراف وعدسات المصورين التي توثّق تفاصيل النهار، تبدو المشاهد في ظاهرها اعتيادية؛ مزارع مكتظّة بالأضاحي، رجال يجرّون الخراف استعداداً للذبح، وآخرون يلتقطون صورًا تذكارية حاملين رؤوس الخراف بعد انتهاء الطقوس. إلا أنّ خلف هذه الصور تختبئ حكاية أخرى، أكثر عمقاً وقسوة، تشبه إلى حدّ كبير واقع اللبنانيين اليوم.

الصور التي التقطها المصوّر عباس سلمان في يوم عيد الأضحى، لم تكن مجرد لقطات عابرة من سوق الأضاحي، بل بدت وكأنها مرآة تختصر وجع اللبنانيين وحيرتهم وسط واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم. ففي إحدى الصور، يظهر خروف يُقاد بحبلٍ نحو مصير لا يعرفه. يسير بهدوء خلف من يمسكه، مطمئناً للطريق، غير مدرك أنّ خطواته الأخيرة تقرّبه من الذبح. مشهد بسيط في يوم العيد، لكنه يحمل دلالة موجعة تختصر حال شعبٍ بأكمله؛ شعبٌ يُقاد منذ سنوات بين الأزمات والانهيارات والوعود الفارغة، من دون أن يعرف إلى أين يمضي، أو ماذا ينتظره في النهاية.

العيد الذي كان يوماً مناسبة للفرح والاجتماع العائلي، بات يمرّ على اللبنانيين مثقلاً بالتعب والخوف والضياع. كثيرون يحاولون التمسّك بما تبقّى من مظاهر الحياة الطبيعية، لكن الواقع أقسى من أن يُخفى خلف ابتسامة عابرة أو صورة تذكارية. فالناس الذين يتجوّلون بين الأضاحي والأسواق، يحملون في داخلهم أعباءً أثقل من قدرتهم على الاحتمال؛ غلاء ينهش يومياتهم، أزمات لا تنتهي، ومستقبل يبدو معلّقاً على حافة المجهول.

صور عباس سلمان لا توثّق فقط طقوس عيد الأضحى، بل تنقل أيضاً وجهاً من وجوه لبنان اليوم. وجوه متعبة تحاول أن تبتسم رغم كل شيء، وأناس يعيشون على إيقاع القلق المستمر، كأنهم بدورهم يُقادون بصمت نحو مصير لا يملكون القدرة على تغييره.

في لبنان، لم تعد المأساة بحاجة إلى خطابات طويلة كي تُفهم. أحياناً تكفي صورة خروف يُسحب نحو الذبح، لنرى فيها وطناً بأكمله يسير في الاتجاه نفسه؛ بلا وضوح، بلا أمان، وبلا قدرة حقيقية على التوقّف أو تغيير المسار.

ورغم كل هذا، يبقى اللبناني متشبثاً بالحياة، يحاول أن يصنع من العيد فسحة أمل صغيرة وسط الركام الكبير. لكنّ الصور هذا العام كانت أصدق من أي كلام؛ فخروف العيد لم يكن وحده من يواجه مصيراً مجهولاً، بل معه شعبٌ كامل لا يزال ينتظر من يُخبره متى تنتهي هذه الطريق.

المنشورات ذات الصلة