عاجل:

الرفاعي: لبنان بحاجة إلى خطابٍ يجمع ولا يفرّق

  • ٢٨
أكد مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي في رسالة "منبر الجمعة" أن "لا شيء يمكن أن يبرّر الاعتداءات المتواصلة التي تتعرض لها مناطق الجنوب اللبناني، وما يرافقها من استهداف للمدنيين وتهديد للأهالي الآمنين ودفعهم إلى ترك بيوتهم وأرزاقهم، في مشهدٍ يناقض كل القيم الإنسانية والأعراف الدولية. وإنّ الواجب الوطني اليوم يقتضي التمسك بوقف هذه الاعتداءات، والعمل على تثبيت الاستقرار وحماية سيادة لبنان ووحدة أراضيه، بما يضمن عودة الأهالي إلى ديارهم بأمن وكرامة، بعيداً عن منطق التهديد والعدوان".

واعتبر أنّ "ملف العفو العام والموقوفين الإسلاميين يحتاج إلى معالجة عادلة ومسؤولة بعيداً عن التسييس والاستثمار، تقوم على تحقيق العدالة وإنصاف المظلومين ومراعاة الظروف الإنسانية والاجتماعية لعائلاتهم، ضمن إطار يحفظ أمن البلاد واستقرارها وسيادة القانون. فالدول تُبنى بالعدل والمصالحة ومعالجة الجراح بروح وطنية جامعة، لا بإبقاء الملفات معلّقة وما تخلّفه من احتقان ومعاناة". وقال: "ليس العيد في وعي الأمة مجرد طقس موسمي يتكرر كل عام، بل هو محطة لإعادة بناء المعاني الكبرى في النفوس، حيث تمتزج العبادة بالهوية، والشعيرة بالرؤية، والتكبير بإعلان الانتماء إلى أمة ما تزال حية رغم الجراح. فالأعياد في الإسلام ليست انفصالاً عن الواقع، وإنما استحضار لقيم التضحية والفداء والصبر في مواجهة الظلم والاستضعاف".

وتابع: "حين نستحضر سيرة إبراهيم عليه السلام في عيد الأضحى، فإننا لا نستحضر قصة عاطفية مجردة، بل نستحضر نموذج الإنسان الذي انتصر للمبدأ فوق المصلحة، وللوحي فوق ضغط الواقع، وللحق فوق روابط العاطفة. وهذا المعنى هو ما تحتاجه أمتنا اليوم في زمن تتعرض فيه القيم للمساومة، والثوابت للتفكيك، والحقائق للتزييف".

ورأى ان "أخطر ما تواجهه الشعوب ليس الفقر المادي فقط، بل فقدان البوصلة الفكرية والقدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، وبين المبادئ والمصالح المؤقتة. ومن هنا تأتي أهمية الأعياد كمناسبة لإحياء الوعي الجمعي، وتذكير الناس بأن الأمة التي تفقد ذاكرتها الحضارية تصبح أكثر قابلية للاختراق والتبعية".

وأضاف: "في واقعنا المعاصر، أصبحت معركة الأوطان معركة وعيٍ وحكمةٍ ومسؤولية، ومن هنا تبرز حاجة اللبنانيين اليوم إلى تغليب مصلحة لبنان وحماية تركيبته الوطنية ووحدته الداخلية، والابتعاد عن كل ما يزيد الانقسام والتوتر، لأن قوة الوطن تكون بتفاهم أبنائه وتقديم المصلحة العامة".

وأشار إلى أنّ "في معاني العيد رسالةٌ للبنانيين جميعاً بأن الأوطان لا تُحمى إلا بروح التضحية والتسامح والتعاون، وبالقدرة على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة والانقسامات التي أنهكت البلاد". وشدد على أنّ "لبنان اليوم بحاجة إلى خطابٍ يجمع ولا يفرّق، وإلى وعيٍ يدرك أن حفظ الاستقرار وبناء الدولة والحرص على العيش المشترك مسؤولية جماعية لا تحتمل المزايدات ولا المصالح الآنية. كما أن من أخطر التحديات التي تواجه مجتمعاتنا اليوم هو تحويل الناس إلى أفراد معزولين فاقدين للثقة ببعضهم وبمؤسساتهم وقضاياهم العامة".

ولفت إلى أن"الإسلام في أعياده وشعائره يبني روح الجماعة والتكافل والتضامن، لأن المجتمعات المتماسكة هي وحدها القادرة على الصمود أمام الأزمات والتحولات الكبرى"، مؤكدًا على أنّه "لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح دون بناء الإنسان الواعي الذي يجمع بين الإيمان والبصيرة، بين الأخلاق والكفاءة، وبين الانتماء والقدرة على الفعل، تماماً كما صنع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام نموذج الطاعة الواعية والتسليم المبصر".

وأردف: "في خضم هذا الواقع المضطرب، يبقى اليقين بالله هو مصدر الثبات الحقيقي. فالتاريخ يعلمنا أن لحظات الانكسار ليست نهاية الطريق، وأن الأمم التي تملك قضية عادلة وهوية راسخة قادرة على النهوض مهما اشتدت عليها المحن. وقد مرت أمتنا عبر تاريخها بمراحل أشد قسوة، لكنها بقيت حاضرة لأنها كانت تملك عقيدة تبعث فيها الحياة كلما ظن الناس أنها انتهت".

وختم: "إنّ أيام العيد ينبغي ألا تنتهي بانتهاء مظاهر الفرح، بل يجب أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمراجعة الذات وتجديد العهد مع الله ومع قضايا الأمة، والعمل على بناء وعيٍ أكثر نضجاً، ومجتمعٍ أكثر تماسكاً، وإرادةٍ أكثر استقلالاً، لأن المستقبل لا يصنعه المتفرجون".
المنشورات ذات الصلة