عاجل:

طالبان إلى بروكسل... والجدل يتصاعد

  • ١٦
أثارت خطط الاتحاد الأوروبي لعقد محادثات مع ممثلين عن حكومة طالبان أفغانستان في بروكسل، موجة انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية الأوروبية والأفغانية، وسط تحذيرات من أن أي استقبال رسمي لحركة طالبان في الدول الأوروبية قد يتحول إلى مكسب سياسي للحركة، ويُفسَّر على أنه خطوة نحو التطبيع ومنح الشرعية، رغم استمرار القيود الواسعة التي تفرضها على النساء والفتيات في أفغانستان.

وبحسب وكالة "رويترز"، تخطط المفوضية الأوروبية لعقد اجتماع فني مع مسؤولين من حكومة طالبان في بروكسل، لبحث ملف إعادة بعض المهاجرين الأفغان من أوروبا، ولا سيما من تصفهم دول أوروبية بأنهم يشكلون تهديداً أمنياً أو صدرت بحقهم قرارات ترحيل.

وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، ماركوس لاميرت، إن الاجتماع المقترح يجري التنسيق له مع السويد، وبناء على طلب عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن المحادثات المحتملة ستكون على مستوى فني، وأنها لا تعني اعترافاً أوروبياً بحكومة طالبان.

لكن هذا التوضيح لم يخفف الانتقادات، فقد جددت عضوة البرلمان الأوروبي، هانا نيومان، رفضها لدعوة طالبان إلى بروكسل، معتبرة أن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يضحي بمبادئ سياسته الخارجية من أجل اتفاقات تتعلق بترحيل المهاجرين.

وقالت نيومان في تصريحات نقلتها شبكة "آر إن دي" الألمانية، إن التعامل مع طالبان لا يمكن اعتباره مجرد مسار فني، مضيفة أن "كل اجتماع، وكل صورة، وكل تأشيرة، تمثل خطوة نحو منح الشرعية لطالبان، ونجاحاً سياسياً لها".

منظمات تدعو لعدم استقبال طالبان

وفي موازاة ذلك، وقّعت أكثر من 80 منظمة حقوقية أفغانية ودولية رسالة مفتوحة دعت فيها الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء إلى عدم استقبال ممثلي طالبان في بروكسل، محذرة من أن أي تواصل رسمي معهم، خصوصاً على الأراضي الأوروبية، يحمل أبعاداً قانونية وسياسية ورمزية خطيرة، وقد يُنظر إليه على أنه تطبيع أو اعتراف ضمني بحكم طالبان.

وتعيد هذه الدعوة الجدل حول مسار علاقة أوروبا بطالبان منذ عودتها إلى السلطة في أغسطس 2021. فبعد سقوط كابل، أعلن الاتحاد الأوروبي أن أي تعامل عملي مع حكومة طالبان سيكون مشروطاً بسلوكها، ولن يمنحها أي شرعية سياسية، وربطه بمعايير تشمل حقوق النساء والفتيات، وحرية المغادرة، ومنع استخدام أفغانستان قاعدة للتهديدات الأمنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

غير أن السنوات الماضية أظهرت اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الأوروبي والحاجة العملية إلى قنوات تواصل مع طالبان، فقد بقيت بعثة الاتحاد الأوروبي في كابل حاضرة ضمن إطار إنساني وفني، كما جرت لقاءات في الدوحة وكابل بين مسؤولين أوروبيين وممثلين عن طالبان، بينما تصاعد ضغط ملف الهجرة داخل دول أوروبية عدة، خصوصاً بعد هجمات وجرائم أثارت نقاشاً داخلياً حول ترحيل المدانين ومن رُفضت طلبات لجوئهم.

ملف الهجرة يفتح خطوط اتصال أوروبية مع طالبان

وكانت ألمانيا أبرز مثال على هذا التحول، ففي أغسطس 2024، استأنفت برلين ترحيل أفغان مدانين بجرائم إلى أفغانستان، في أول عملية من نوعها منذ سيطرة طالبان، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني تطبيع العلاقات مع الحركة.

ولاحقاً، سعت وزارة الداخلية الألمانية إلى آلية أكثر انتظاماً للترحيل، بما في ذلك اتصالات فنية مع ممثلي طالبان، الأمر الذي اعتبره منتقدون مدخلاً غير مباشر للتعامل السياسي مع حكومة غير معترف بها.

وفي خط مواز، سعت طالبان منذ 2021 إلى انتزاع السيطرة على البعثات الدبلوماسية الأفغانية في الخارج، بعدما بقي عدد كبير منها بيد دبلوماسيين عينتهم الحكومة السابقة.

وفي 2024، أعلنت وزارة خارجية طالبان عدم اعترافها بالخدمات القنصلية الصادرة عن عدد من السفارات والقنصليات الأفغانية في دول غربية، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا والنمسا وإيطاليا واليونان والسويد والنرويج وكندا وأستراليا، معتبرة أنها لا تنسق مع وزارة خارجية طالبان.

ومن خلال الضغط القنصلي وحاجة الجاليات الأفغانية إلى وثائق معترف بها داخل أفغانستان، وغياب بديل عملي أمام بعض الحكومات، استطاعت طالبان توسيع نفوذها تدريجياً على بعثات خارجية، أو إقامة علاقات عمل معها.

وبرزت في أوروبا حالات مثل ألمانيا وإسبانيا وهولندا وبلغاريا والتشيك، قبل أن يتطور الأمر لاحقاً إلى اعتماد دبلوماسيين عيّنتهم طالبان في بعض المواقع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اعترافاً رسمياً بالحكومة.

ساعة ذكية وثقت الواقعة.. إقالة مسؤول تعليمي طلب رشوة جنسية في مصر
وفي هذا السياق، كتبت عضوة البرلمان الأفغاني السابقة، فوزية كوفي، في مقالة بصحيفة "الغارديان" أن استقبال طالبان في أوروبا يمثل "صفعة" للنساء والفتيات الأفغانيات، معتبرة أن التعامل مع الحركة من دون محاسبة يبعث رسالة خطيرة بأن وعود المجتمع الدولي للنساء الأفغانيات يمكن التخلي عنها من أجل مصالح سياسية مرتبطة بملف الهجرة.

وبينما تصر المفوضية الأوروبية على أن أي اجتماع مع طالبان سيبقى ضمن الإطار الفني، يرى منتقدون أن مجرد دعوة ممثلي الحركة إلى بروكسل تمنحها فرصة لكسر عزلتها السياسية، وتضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار صعب بين ضغوط ملف الهجرة والتزاماته المعلنة في الدفاع عن حقوق الإنسان في أفغانستان.
المنشورات ذات الصلة